لماذا يطلق عباس النار على الجميع؟

محمود عباس اتهم حماس بالوقوف خلف محاولة اغتيال الحمد الله (رويترز)
محمود عباس اتهم حماس بالوقوف خلف محاولة اغتيال الحمد الله (رويترز)

ليلى لعلالي-الجزيرة نت

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط الخارجية على الفلسطينيين، يأتي خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي اتهم فيه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالوقوف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء رامي الحمد الله بغزة، ليخلط الأوراق ويعيد جهود المصالحة الفلسطينية الداخلية إلى نقطة الصفر.

هجوم حاد
وخلال اجتماع للقيادة الفلسطينية ضم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني (فتح) في 19 مارس/آذار 2018، هاجم عباس بشدة حركة حماس، واتهمها صراحة بالوقوف وراء محاولة اغتيال الحمد الله، ومسؤول جهاز المخابرات ماجد فرج في 13 مارس/آذار 2018، وقال إنه لو نجحت محاولة الاغتيال لأدى ذلك إلى عواقب وخيمة، وفتح الباب أمام حرب أهلية دموية.

ولم يكتف عباس باتهامه الحركة بالوقوف وراء محاولة الاغتيال، رغم أنه لم يقدم أي دليل ضدها، بل قال إن حماس "لا تريد المصالحة وتعمل على عرقلتها"، والأخطر من ذلك أنه أعلن عن سلسلة عقوبات ضد قطاع غزة الذي يعاني أصلا من حصار خانق منذ سنوات عديدة. 

ورغم أن التراشق بالاتهامات بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس ليس بالأمر الجديد على الفلسطينيين، فإن الخطاب الحاد الذي صدر عن عباس هذه المرة يطرح علامات استفهام عديدة حول أسباب انقلاب الرئيس ضد الحركة في هذا التوقيت، وما يخفي موقفه من حسابات سياسية.

الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجهاتها رفضت الخطاب وأدانته، وأجمعت على أنه لا يخدم المصلحة الفلسطينية؛ فحركة حماس وصفت تصريحات عباس بأنها "غير مسؤولة تحرق الجسور وتعزز الانقسام"، وقالت إن الخطاب يتجاوز الدور المصري.

وفي نظر الحركة، فإن التصريحات "تمهد لتنفيذ مخطط الفوضى الذي يمكن من خلاله تمرير صفقة القرن ومخططات الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومشاريع الاحتلال الصهيوني". ولذلك دعت في بيان لها إلى إجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية، "لينتخب الشعب من هم أهل لتحقيق الوحدة ورعاية المصالحة".  

من جهتها، حركة الجهاد الإسلامي اعتبرت خطاب عباس تهديدا لوحدة الشعب الفلسطيني، وقالت على لسان القيادي الشيخ خضر حبيب إن عباس في حال فرضه عقوبات جديدة "فإن ذلك يستوجب انتفاضة على النظام السياسي برمته، وإجراء انتخابات مجلس وطني موحد".  

وفي الاتجاه نفسه، ذهب المتحدث باسم لجان المقاومة الشعبية أبو مجاهد، حيث صرح بأن "الإجراءات القانونية والمالية ضد غزة، واتهام حماس بعملية الاغتيال؛ أسرع وصفة لانهيار المصالحة ومحاولة تمرير "صفقة القرن" بقرار أبو مازن (محمود عباس)".

بينما ناشد عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية ماهر مزهر رئيس السلطة وقف الإجراءات العقابية ضد قطاع غزة، وقال في تصريح صحفي إن المطلوب من تفجير الحمد لله هو "رأس حماس والمقاومة والمصالحة".

خلط أوراق
ولم يخلط خطاب الرئيس الفلسطيني الأوراق في الساحة الوطنية الفلسطينية فقط، بل خلط حسابات المحللين والمتابعين للشأن الفلسطيني، باعتبار أن عباس أظهر من خلال تصريحاته حرصه على تحقيق المصالحة الفلسطينية، خاصة منذ أن خذلته الإدارة الأميركية وقررت الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لإسرائيل في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2017 وقرارها بنقل السفارة الأميركية إلى هناك.

ورأى محللون في تصريحات لصحف ومواقع فلسطينية أن خطاب الرئيس الفلسطيني ربما يدخل في إطار الضغط على حركة حماس من أجل تسليم قطاع غزة بصورة كاملة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبار أنه ورغم اتفاق المصالحة الموقع في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017، لا يزال الخلاف قائما بين الطرفين بشأن إدارة القطاع وتسلم الحكومة الفلسطينية إدارة أغلب الوزارات.

ويثير مراقبون تساؤلات بشأن الرهان الذي يعول عليه الرئيس الفلسطيني عندما قرر قطع الجسور مع حركة حماس في هذا التوقيت، وهو الذي يتعرض لضغوط إقليمية وخارجية ربما تسعى للتخلص من حكمه، ويواجه خصومات مع القيادي المفصول من حركة فتح محمد دحلان الذي تقارب مع حماس في المدة الأخيرة، ويعتبر ورقة تعول عليها بعض الأطراف.

زيادة على ذلك أن الرهان على الأميركيين لم يعد في حسابات السلطة، باعتبار أن الإدارة الأميركية التي ظلت تهلل دوما لأي إجراء يتخذ ضد حركة حماس، هي اليوم تناصبه العداء وترغب في التخلص منه.

فالعلاقة بين عباس وإدارة دونالد ترمب متوترة منذ الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وزادت توترا على خلفية مهاجمة الرئيس الفلسطيني في خطابه في 19 مارس/آذار 2018 للسفير الأميركي لدى تل أبيب ديفيد فريدمان بسبب اعتبار الأخير الاستيطان شرعيا.

فقد سارع البيت الأبيض إلى التنديد بقوة بشتم عباس للسفير الأميركي، واعتبر ما ورد فيه "إهانات في غير محلها"، وقال "إن الوقت قد حان لكي يختار عباس بين خطاب الكراهية والسلام"، وهو الحادث الذي استغلته إسرائيل أيضا لتوجيه الانتقادات للرئيس الفلسطيني.

ومهما تكن حسابات ورهانات الرجل الأول في السلطة الوطنية الفلسطينية، فإن خطابه -في رأي مراقبين- من شأنه تعزيز حالة الانقسام في الساحة الفلسطينية، وذلك لن يخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي وحليفه الأميركي الذي يعمل على تمرير "صفقة القرن" التي تتحدث عنها وسائل الإعلام، ويظهر من معالمها نشر الفوضى في غزة وفي الضفة الغربية على السواء.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية