الدول الغربية ومصر.. المصالح تبيّض صفحة السيسي

ماكرون (يسار) يرحب بالرئيس المصري خلال زيارته لباريس في أكتوبر/تشرين الأول 2017(رويترز)
ماكرون (يسار) يرحب بالرئيس المصري خلال زيارته لباريس في أكتوبر/تشرين الأول 2017(رويترز)

زهير حمداني

في وقت تثير فيه دول غربية اللغط عن  نزاهة الانتخابات وحقوق الإنسان في عدة دول تغيب تعليقاتها عن مجريات الرئاسيات المصرية، رغم التنديدات المختلفة من منظمات حقوقية بالظروف المحيطة بهذه الانتخابات، واعتبارها بوابة لبسط الرئيس عبد الفتاح السيسي سيطرته الشاملة على الدولة.

ويطرح هذا الصمت الغربي الرسمي، سواء من الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا -بالنسبة للكثير من المراقبين- الجدل حول المواقف الغربية المتغيرة والمتناقضة أحيانا من مسألة الديمقراطية والحقوق والحريات، وما إذا كانت مجرد شعارات وأدوات ضغط ترفعها عند الضرورة في وجه أنظمة بعينها.

وقبل الاستحقاق الانتخابي الذي يصفه المعارضون المصريون بأنه "مهزلة"، لم تخرج عن الدول الغربية مواقف ناقدة من ممارسات نظام عبد الفتاح السيسي وتصميمه على إقفال الفضاء العام والحياة السياسية برمتها عبر تفصيل الترشحات على مقاسه، وفق مراقبين.

ويتذكر متابعون زيارات السيسي في العامين الماضيين لكل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، تحت عنوان الشراكة والمصالح، رغم صفحته السوداء في ملف حقوق الإنسان، وكيف أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه يرفض إعطاءه "دروسا في حقوق الإنسان"، متغاضيا عن الانتهاكات الكثيرة التي نشرها معارضون.

 رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون (يمين) مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (الأوروبية)

المصالح والصفقات
ويرى محللون أن الصمت الغربي تجاه التجاوزات المرتبطة بالانتخابات المصرية أو غيرها، وعدم انتقاد حكوماته لنظام السيسي مرده أساسا إلى المصالح التي نسجتها حكومات هذه الدول على المستويين الاقتصادي والسياسي أيضا.

ويرتكز الموقف الفرنسي الرسمي -غير المهتم بالقضايا الحقوقية في مصر منذ ما قبل الانتخابات- على مقولة ماكرون "عدم إعطاء الدروس في مسألة حقوق الإنسان"، لكنه يتكئ أكثر على الشراكة الإستراتيجية والصفقات العسكرية الكبيرة مع نظام السيسي، التي بلغت نحو سبعة مليارات دولار في السنوات الثلاث الماضية، إضافة إلى صفقات تجارية واقتصادية.

وعلى الصعيد السياسي، تنسق فرنسا أيضا مع نظام السيسي في الأزمة الليبية، حيث نشط تعاون باريس مع القوات التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر بتنسيق من مصر والإمارات، بما جعل القاهرة شريكا إستراتيجيا في هذا الملف المهم بالنسبة لفرنسا، وملفات أخرى تتعلق بمسألة "الإرهاب".

ويلعب الجانب الاقتصادي دورا كبيرا في تجاهل كل من ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا ملف حقوق الإنسان في مصر، حيث أبرمت برلين صفقات عسكرية واقتصادية مع القاهرة -خلال الزيارات المتبادلة بين السيسي والمستشارة أنجيلا ميركل، كما تبحث الشركات الألمانية والإيطالية أيضا عن فرص كبيرة في مصر.

ويقول مراقبون إن "ورطة القيم الأوروبية" هذه، وطغيان المعايير الغربية المزدوجة، فرضتها أيضا العلاقة الوطيدة التي تربط النظام المصري مع الرياض وأبو ظبي والمنامة (دول حصار قطر) بما يجعله مفتاحا لصفقات أوروبية أكبر وأهم مع هذه الدول، ذات المداخيل الضخمة.

من جهة أخرى، فإن الدول الغربية ما زالت ترى في نظام السيسي شريكا مهما على صعيد مكافحة "الإرهاب والتطرف"، وضمان الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط المتقلبة، والتي تشهد تغيرات متسارعة تهدد العمق الأوروبي، بما في ذلك الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط.

وبالنسبة للإدارة الأميركية في عهد ترمب، فإن شراكة كبرى تجمعها مع نظام السيسي تقوم خاصة على إسناد المملكة العربية السعودية في تمرير مشروع صفقة القرن وضمان أمن إسرائيل، وهي الملفات التي جعلت واشنطن لا تهتم بانتهاكاته الحقوقية، إضافة إلى أن الولايات المتحدة في عهد ترمب لم تعد "نموذجا "يحتذى به في حقوق الإنسان على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الرئيس السيسي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال زيارته لألمانيا في يونيو/حزيران 2017 (رويترز)

رفض حقوقي
ومقابل الصمت الرسمي على انتهاكات نظام السيسي وخنقه المجتمع المدني والفضاء السياسي في اتجاه تكريس ديكتاتورية غير مسبوقة -وفق معارضين- تنشط المنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية في فضح هذه الانتهاكات، خاصة المتعلقة بظروف التحضير للانتخابات.

وأكدت عدة منظمات حقوقية دولية وإقليمية -بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش- أن النظام المصري لم يراع أبسط متطلبات الانتخابات الحرة والنزيهة، في الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها بين 26 و28 مارس/آذار 2018.

وانتقدت هذه المنظمات صمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، وطالبتها بأن تجعل حقوق الإنسان جزءا أساسيا في علاقاتها بمصر، ووقف كافة المساعدات الأمنية التي يمكن استخدامها في القمع الداخلي، على حد وصفها.

وفي حين تشيح الدول الغربية ذات الديمقراطيات العريقة بنظرها عن المسألة، تؤكد المنظمات الحقوقية أن القمع قبيل الانتخابات الرئاسية المصرية أدى إلى تصعيد كبير في المناخ السياسي يحرم المواطنين من حقوقهم في المشاركة السياسية وحرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي.

وأطاح السيسي بعدد من المرشحين المحتملين للرئاسة بالتضييق، أو السجن، أو دفعهم لسحب الترشح، وأهمهم أحمد شفيق والفريق سامي عنان والمحامي خالد علي والعقيد أحمد قنصوة، ليقتصر السباق على منافس وحيد جاء في اللحظة الأخيرة، وهو موسى مصطفى موسى.

وفي هذا السياق، أعرب المفوض السامي لشؤون حقوق الإنسان بالأمم المتحدة زيد بن رعد عن قلقه بشأن "مناخ التخويف" ضمن الترتيبات لانتخابات الرئاسة، مؤكدا أن المرشحين المحتملين تعرضوا للضغط للانسحاب من السباق الانتخابي بطرق مختلفة منها الاعتقالات".

وفي إطار مفارقة القيم الديمقراطية والمصالح الإستراتيجية يبدو أن مسألة تجاوزات نظام السيسي في الحملة الانتخابية أو بعدها وإشاعته مناخ الخوف، وقمع الحريات؛ لم تعد من مشاغل الدول الغربية ما دام السيسي "صديقا" يضمن مصالحها ويدعم ميزانياتها بصفقاته حتى تأتي المتغيرات.

المصدر : الجزيرة + وكالات