سياسيون فرنسيون ينامون في العراء دعما للاجئين

رؤساء بلديات يبيتون في العراء تضامنا مع المهاجرين غير النظاميين والمشردين أمام محطة القطار في باريس (الجزيرة)
رؤساء بلديات يبيتون في العراء تضامنا مع المهاجرين غير النظاميين والمشردين أمام محطة القطار في باريس (الجزيرة)

هشام أبو مريم-باريس

تحت أحد الجسور المحاذية للطريق السيار في حي لاشابيل شمال باريس، أمضى أحمد ثالث "أحلك وأصعب" ليلة له هذا الأسبوع في خيمة بلاستيكية، بعدما وصلت درجة الحرارة سبع درجات تحت الصفر.

الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، يخرج أحمد من خيمته، ليجد نفسه محاصرا من كل جانب بالثلوج. لا يزال النوم يصارع أحمد إذ لم يغمض له جفن طوال الليل بسبب البرد القارس الذي "شل جميع أطرافي، ولم أعد أحرك إلا رأسي بصعوبة كبيرة".

يروي الأب الذي ترك خمسة أبناء في السودان من أجل البحث عن غد أفضل لأسرته بأن هذا الأسبوع كان الأكثر قساوة وبرودة منذ تسعة أشهر قضاها في هذا المخيم العشوائي.

ويلخص أحمد للجزيرة نت حالته "كمن كان يبحث عن فردوس ووجد نفسه في جحيم لا يعرف كيف يخرج منه"، مضيفا أنه قدم ملف طلب اللجوء في فرنسا منذ أربعة أشهر لكن الإجراءات الإدارية الطويلة والمضنية لا تزال تعطل الرد الذي يأمل أن يكون إيجابيا، وهو ما قد يفتح له الباب للحصول على مأوى يحفظ كرامته.

ستيفن طالب لجوء من ساحل العاج (الجزيرة)

بدوره يقول جار أحمد، ستيفن، وهو طالب لجوء من ساحل العاج، إنه تعود على ظروف العيش القاسية في الخيام، وغياب أدنى مقومات الحياة الكريمة لكنه لم يعد يحتمل أجواء البرد القارس وتساقط الثلوج.

ويروي ستيفن بنبرة حزينة للجزيرة نت أنه كان يستغل أشجار الغابة المجاورة للمخيم، ويستخدمه للتدفئة لكنه لم يعد ذلك ممكنا بعدما أصيبت أغصان الأشجار بالبلل بسبب كثافة الثلوج، وبسبب إصابته على مستوى الركبة. 

وكشف كل من أحمد وستيفن أنهما لم يسمعا عن الإجراءات الاستعجالية التي أطلقتها الحكومة بداية الأسبوع الجاري، واعتبرا أنه لا أحد يكترث لظروف عيشهم حسب وصفهما ما عدا بعض الجمعيات الخيرية التي تمدهم بالطعام والشراب من حين لآخر.
 

لاجئون ومهاجرون أقاموا مخيما عشوائيا في حي لاشابيل شمال باريس (الجزيرة)

كما أكد الرجلان أنه خلال أسبوع لم تقدم لهما أية مساعدة حكومية ما عدا "منظمة أطباء بلا حدود" التي تأتي لمخيمهم مرة كل أسبوع لتطمئن على حال ستيفن الذي يعاني من رضوض وتمزق عضلي في رجله، بينما كان يحاول البحث عن حطب التدفئة في الغابة.

إجراءات استثنائية
وأطلقت الحكومة الفرنسية قبل أيام "برنامج البرد القارس" من أجل إيواء أكبر عدد ممكن من المهاجرين غير النظاميين وطالبي اللجوء والمشردين.

واتخذت المحافظات والبلديات إجراءات غير مسبوقة واستثنائية لمواجهة موجة الصقيع التي تجتاح فرنسا منذ أيام والتي بلغت إلى 25 درجة تحت الصفر شمال البلاد.

وفتحت المحافظات مراكز إيواء جديدة، إضافة إلى مصادرة عدد من القاعات الرياضية والمكاتب الفارغة، التي جرى تجهيزها بالأسرة والبطانيات لاستقبال أكبر عدد من المحتاجين.

وأعلنت بلدية باريس أنها خصصت أكثر من ألفي سرير جديد هذا الأسبوع في مراكز الإيواء كما عززت من عدد دورياتها كل ليلة من أجل توزيع البطانيات والأكل والملابس على المحتاجين الذين يبيتون في العراء وتحت القناطر ومحطات القطار، الذين يقدر عددهم بنحو أربعين ألف شخص بينهم أطفال ونساء في كل باريس وضواحيها التي يقدر عدد سكانها بنحو 13 مليون نسمة.

يبيتون في العراء
وأمضى عشرات النواب ورؤساء البلديات ليلة الخميس في العراء، مع درجة حرارة متدنية جدا وبلغت خمس درجات تحت الصفر، قرب إحدى كبرى محطات القطار الباريسية.

فرانسوا طالب لجوء من هاييتي يعيش في خيمة من البلاستيك في الضاحية الباريسية (الجزيرة)

يأتي ذلك تضامنا مع المهاجرين غير النظاميين والمشردين، لدق ناقوس الخطر بسبب ظروف التي يعيشونها، خصوصا هذا الأسبوع الذي تعرف فيه البلاد موجة صقيع غير مسبوقة منذ عقود.

وفي تصريح للجزيرة نت، قالت ماما سي، صاحبة الفكرة ونائبة عمدة مدينة إيتامب غرب باريس، إن الهدف من الخطوة هو دفع الحكومة والسلطات المحلية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة من أجل ايجاد حلول حقيقية وليست ترقيعية لآلاف الأشخاص الذين يعيشون أوضاعا مأساوية في بلد يعتبر خامس أغنى بلد في العالم، مضيفة "يتفطر قلبي وأنا أرى أطفالا ونساء ينامون في العراء".

بدورها قالت آن لوبروتان نائبة عمدة بلدية باريس، في تصريح للجزيرة نت "نحن سنقضي ليلة واحدة هنا فقط وسنعود لمنازلنا التي تتوفر على كل ظروف العيش الكريم أما هؤلاء المهاجرون والمشردون فهذه حياتهم اليومية البئيسة".

وأضافت لوبروتان "أنا هنا لقضاء هذه الليلة في العراء تضامنا مع 140 ألف شخص في فرنسا بينهم نساء وأطفال يفترشون الأرض يوميا ولا يجدون مكانا يحفظ كرامتهم".

المصدر : الجزيرة