جثة روسية أخرى بلندن.. هل هي الحرب الباردة؟

خبيران جنائيان بريطانيان أمام شقة غولشكوف في لندن (رويترز)
خبيران جنائيان بريطانيان أمام شقة غولشكوف في لندن (رويترز)

محمد العلي-الجزيرة نت

أعادت كلّ من بريطانيا وروسيا خلال أسبوعين عاصفين، العمل بأساليب الحرب الباردة (1948-1991) بين الشرق السوفياتي والغرب الأميركي الأوروبي، على خلفية تسميم العميل الروسي المزدوج سيرغي سكريبال وابنته في جنوبي بريطانيا. فتبادلت العاصمتان طرد 23 دبلوماسيا، وجمدت لندن أرصدة روسية في بنوكها، وهو ما قابلته موسكو بإقفال المركز الثقافي البريطاني في سان بطرسبورغ وسحبت موافقتها على فتح قنصلية للندن في المدينة ذاتها.

حدث ذلك وسط تصعيد كلامي غير مسبوق لمسؤولي البلدين شارك فيه مسؤولون أميركيون إضافة إلى دونالد توسك رئيس المجلس الأوروبي.

ولولا اتفاق الدولتين على نقل جانب من التحقيق في قضية التسميم الغامضة إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لكانت المواجهة بين ممثلي البلدين داخل مجلس الأمن يوم الأربعاء الماضي نسخة كربونية لما كان يحصل في أروقة المنظمة الدولية بين الدبلوماسيين السوفيات والغربيين، قبل تبدد صورة الصراع الدولي بمفهومه الذي ساد حتى انهيار جدار برلين عام 1989.

جثة غولشكوف
غير أن التوتر والتصعيد المستمرين بين لندن وموسكو على خلفية القضية ذاتها ما زال مرشحا للتطور، مع العثور في 13 من الشهر الجاري في لندن على جثة رجل الأعمال الروسي نيكولاي غولشوكوف، الذي سبق له العمل مساعدا لبوريس بيريزوفسكي.

ومعلوم أن الأخير ملياردير يهودي روسي برز في عهد الرئيس بوريس يلتسين، ثم فر مع أمواله إلى بريطانيا بعد قدوم فلاديمير بوتين إلى السلطة، ليعثر عليه عام 2013 جثة هامدة في حمام منزله الفخم بلندن، في ظروف لا تقل غموضا عن ظروف وفاة مساعده غولشوكوف قبل أيام.

ومنذ العثور على سكريبال وابنته مغمى عليهما في مجمع تجاري في سالزبوري يوم 4 مارس/آذار، والأحداث والمواقف التصعيدية تتوالى، ويتزايد القلق الدولي من احتمال أن يكون العالم على موعد مع نسخة جديدة من الحرب الباردة.

ويرتبط هذا الاحتمال بما يمثله الرئيس فلاديمير بوتين (الذي يستعد لولاية رابعة) في نظر المحللين الغربيين. فهو -وفق أحدث تقييم أعدته وكالة الصحافة الفرنسية- "الشخصية التي أعادت أمجاد "روسيا الكبرى" بضمه شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014، كما أنه -وفق الوكالة ذاتها- جعل روسيا طرفا أساسيا منذ تدخلها في سبتمبر/أيلول 2015 في سوريا، مما سمح لقوات الرئيس بشار الأسد بتحقيق انتصارات.

وقد تناول كتاب الأعمدة في الصحف البريطانية الموضوع، حيث أشار مقال في التلغراف إلى أن أحداث الأيام الأخيرة علّمت بريطانيا أن تأخذ التهديد الروسي على محمل الجد، وأضاف أن "فكرة مقايضات ما بعد الحرب الباردة وخفض إنفاقنا الدفاعي وحمايتنا أظهرت أنها أكبر الأوهام التي مرت علينا خلال السنوات الثلاثين الماضية"، وأشار إلى مساعي روسيا لمد نفوذها باتجاه جورجيا وأوكرانيا وسوريا وصولا إلى الانتخابات الأميركية ذاتها.

المندوب البريطاني متحدثا عن قضية سكريبال أمام مجلس الأمن (رويترز)

ولم يغب خطر تجدد الحرب الباردة بدوره عن بال ينس شتولتنبرغ الأمين العام لحلف الناتو الذي نشأ بفعل تلك الحرب وحافظ الغرب عليه كأداة أمنية رغم تفكيك حلف وارسو الذي نشأ بمواجهته وردا عليه بعد انهيار ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي.

يقول شتولتنبرغ في أحدث تصريح له "لا نريد حربا باردة ولا سباق تسلح، لكن يجب أن يكون الجميع على ثقة في أن الناتو سيتولى الدفاع عن أعضائه ضد أي خطر يهددهم"، لكنه بالمقابل غمز قناة روسيا عندما أبلغ صحيفة "فيلت أم زونتاج" الألمانية الأسبوعية اليوم الأحد أنه "بعد الضم غير الشرعي لشبه جزيرة القرم وتمركز قوات في جورجيا وكثير من الهجمات الإلكترونية، هناك تهديدات أخرى جديدة حاليا".

الأدلة
أما زعيم حزب العمال البريطاني المعارض فيقول في مقال نشرته صحيفة الغارديان إن "السلطات الروسية يجب أن تحاسب على قاعدة الأدلة المتوفرة، وإن الرد البريطاني يجب أن يكون حاسما ومتناسبا مع الجرم"، لكنه دعا إلى "عدم اصطناع الشقاق مع روسيا عندما لا يكون له أي أساس"، كما دعا إلى عدم الانخراط فيما أسماه "حربا باردة جديدة" قوامها الإنفاق على التسلح والتورط في حروب بالوكالة في أنحاء العالم".

ولم يذهب زعماء بريطانيا والدول الأوروبية إلى حد التلويح بإنشاء حلف ناتو جديد بمواجهة روسيا، لكن الأزمة وتحدياتها لن تغيب بالتأكيد عن أعمال القمة الأوروبية التركية المرتقبة بعد أيام في مدينة فارنا البلغارية، المواجهة لروسيا على الضفة الأخرى من البحر الأسود.

المصدر : وكالات,الجزيرة,غارديان