موازنة العراق.. عودة لمربع الخلاف

الرئيس العراقي فؤداد معصوم فاجأ الوسط السياسي برفضه التصديق على قانون الموازنة (الأوروبية)
الرئيس العراقي فؤداد معصوم فاجأ الوسط السياسي برفضه التصديق على قانون الموازنة (الأوروبية)

قلل سياسيون ومراقبون من جدية قرار الرئيس العراقي فؤاد معصوم بإعادة قانون الموازنة الاتحادية إلى البرلمان، الذي صوّت عليها في الثالث من مارس/آذار الجاري بأغلبية الأصوات وغياب النواب الأكراد.

قرار معصوم برد مشروع الموازنة تضمن تحديد أكثر من ثلاثين خرقا دستوريا في بنود الميزانية، لكن عددا من النواب والسياسيين اعتبروا أن قرار رئيس الجمهورية يعود إلى "مجاملة" واضحة للأكراد الذين رفضوا مشروع الموازنة، ولم يشاركوا في جلسة إقرارها.

وكان مشروع الموازنة الحالي منح إقليم كردستان العراق 12.67% من مجموعها، في حين كانت حصة الإقليم خلال الموازنات الماضية تبلغ 17% منذ عام 2003.

ورغم التصريحات المتضاربة بشأن اعتراض الأكراد وموقف رئيس الجمهورية الأخير، فإن مصدراً مقرباً من رئيس الوزراء حيدر العبادي أشار إلى أن اتفاقاً أُبرم بين الجانبين يقضي بأن تدفع بغداد رواتب موظفي الإقليم وقوات البشمركة، مقابل قبول الأكراد خفض نسبتهم بالموازنة العامة.

ولا يُخفي المصدر -الذي رفض الكشف عن اسمه- أن قرار معصوم كان غير متوقع من قبل العبادي، الذي بدا حريصاً على تذليل الكثير من العقبات والخلافات مع الأكراد، على حد قوله.

ورغم ملاحظته أن هذه المرة الأولى التي تبدي فيها رئاسة الجمهورية اعتراضا من هذا القبيل، فإنه قلل من قيمة الخطوة، واعتبرها مجرد اختلاف في وجهات النظر الذي "لن يرتقي إلى مستوى الخلاف".

وألمح المصدر إلى "عدم دستورية" خطوة معصوم، واعتبر قانون الموازنة ماضيا بعد مرور 15 يوماً من إرساله إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليه، وفق المادة (73) من الدستور العراقي.

وتنص الفقرة الثالثة من المادة المذكورة على "أن الرئيس يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب، لتصبح مصادقاً عليها بعد مضي 15 يوماً من تاريخ التسليم".

خلافات عميقة
يذكر أن حكومة بغداد واجهت العديد من العقبات قبل أن تنجح في إرسال مشروع الموازنة متأخراً ثلاثة أشهر عن موعده المحدد، بسبب الخلافات العميقة بين الأطراف السياسية، خاصة الأكراد.

ويلزم قانون الإدارة المالية في البلاد مجلس الوزراء بتقديم مشروع الموازنة إلى البرلمان في موعد أقصاه 11 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام.

ووفقاً لعضو اللجنة المالية النيابية رحيم الدراجي، فإن الاتفاق على الموازنة بصيغتها الحالية تمت بموافقة الأكراد، وبعلم من قادتهم "الكبار"، مؤكدا أن نوابهم لم يعترضوا على النسبة المخفضة للإقليم.

وبيّن أن اعتراض الأكراد يتعلق بكلمة "محافظات"، حيث طالبوا إبدالها "بإقليم كردستان"، وبعبارة "رواتب البشمركة"، حيث أصروا على إبدالها بعبارة "حصة البشمركة".

وأشار إلى أن الموازنة ألزمت حكومة بغداد بدفع رواتب موظفي الإقليم في خطوة إنسانية تتعلق بمكون مهم من الشعب العراقي، وفق قوله.

واستبعد الدراجي حدوث أزمة بين الرئاسات العراقية، أو مع إقليم كردستان الذي يسعى إلى التهدئة بعد الضغوط الدولية التي مورست عليه، مستدركاً "أن معصوم يسعى إلى إحداث أزمة انتخابية لا غير، فمنصبه لا يتيح له الاعتراض أو النقض".

وتعد خطوة رئاسة الجمهورية -وفق مراقبين- "زوبعة فنجان"، وأن اعتراضات الأكراد "غير الحقيقية" يراد منها إيصال رسائل إلى جمهورهم "المنتفض" ضد حكومة الإقليم، بحسب رأي المحلل السياسي واثق الهاشمي.

تسرع وعجز
ويوضح الهاشمي "أن الشارع الكردي ممتعض من أداء حكومة الإقليم التي تسرعت في العديد من القرارات، أبرزها قرار الاستفتاء على الانفصال، بالإضافة إلى عجزها عن دفع رواتب موظفيها".

في المقابل، استغربت رئاسة الجمهورية ردة فعل الأطراف السياسية حيال إعادة قانون الموازنة إلى البرلمان، بعد أن سجلت 31 نقطة لتقاطعها مع التشريعات النافذة في البلاد.

وعدّ أمير الكناني المستشار القانوني لرئيس الجمهورية إعادة بعض القوانين إلى البرلمان "أمراً طبيعياً" يندرج ضمن صلاحيات الرئيس الدستورية، كما أن الأمر لا يتعلق بحصة الإقليم بقدر تعلقه بوجود عدة خروق يتطلب تعديلها للمصادقة عليها.

ولفت إلى أنه "ليس من مصلحة السلطة التشريعية الدخول في أزمة مع رئاسة الجمهورية التي ستتخذ كافة الصلاحيات التي منحها لها الدستور، واستخدام حقها في إبداء الملاحظات على القوانين".

إصرار البرزاني على إجراء الاستفتاء قاد لخلاقات قوية مع بغداد وأدخل الإقليم في أزمة مالية خانقة (رويترز)

وطالب بضرورة عدم تفرد جهة في إدارة الدولة على حساب الصلاحيات الممنوحة إلى باقي مؤسسات البلاد، نافياً أن يكون منصب رئيس الجمهورية فخريا ودون صلاحيات.

وسبق لمكتب رئيس الجمهورية الثلاثاء الماضي أن أعلن إعادة قانون الموازنة الذي تضمن نحو 31 مخالفة قانونية ودستورية إلى مجلس النواب لتدقيقها شكلاً ومضموناً من الناحية الدستورية والقانونية والمالية.

أزمة مالية
وتواجه حكومة إقليم كردستان أزمة مالية خانقة بسبب حصار اقتصادي تفرضه بغداد على واردات الإقليم النفطية والجمركية منذ إجراء استفتاء على انفصاله في سبتمبر/أيلول الماضي من دون موافقة الحكومة الاتحادية.

ويعترف كفاح محمود مستشار رئيس الإقليم بأن الجهود تتجه إلى تضييق الأزمات مع بغداد في "سبيل الحفاظ على تماسك الشعب الكردي وعدم تأثره بالخلافات بين الطرفين".

ويرى أن إجراء التعداد السكاني في البلاد هو "الحل الأمثل" للعديد من الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، خاصة في ما يتعلق بالمادة 140 (الخاصة بالمناطق المتنازع عليها)، وقانون النفط والغاز.

وسبق لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني أن اعتبر ما جرى في بغداد "اضطهاد مخطط ضد شعب كردستان"، في حين قال رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني إن تصويت البرلمان على الموازنة بغياب النواب الأكراد يمثل "انهياراً" لمبدأ الشراكة في حكم العراق بعد عام 2003.

المصدر : الجزيرة