ستيفن هوكينغ.. العالم والإنسان والتقدمي

ستيفن هوكينغ.. العالم والإنسان والتقدمي

زهير حمداني
 
لم يترك العالم الراحل ستيفن هوكينغ (1942-2018) إرثا علميا ضخما فحسب، بل سطّر نموذجا للانتصار للإنسان، وكيف يكون التفوق العلمي مرتبطا بالقضايا العادلة، ومفتاحا لفهم طبيعة الإنسان في هذا الكون الفسيح، وكيف يكون العالم الفذ غير انعزالي ومنافحا عن قضايا البشرية. 
 
وتوفي عالم الفيزياء البريطاني الشهير عن عمر ناهز 76 عاما، وهو الذي عانى من مرض التصلب الجانبي الضموري، الذي عطل خلاياه العصبية والحركية، ثم جعل نطقه لا يتم إلا بواسطة جهاز حاسوب بصوت اصطناعي تحول إلى سمة مميزة له.
 
واكتسب هوكينغ نزعته الإنسانية -إلى جانب نظرياته الفذة في الفيزياء حول الثقوب السوداء- من كفاحه الشخصي ضد المرض وإرادة الإنسان؛ إذ يقول "إنها مضيعة وقت أن أكون غاضبا بشأن إعاقتي، على الشخص أن يكمل حياته، وألا يترك روحه معاقة مثل جسده، وهذا ما قمت به".
 
هوكينغ يعد من أشهر علماء الفيزياء في العالم في القرن العشرين (رويترز)
الإنسان يصنع النابغة
ويمتلك هوكينغ مقاربة مختلفة للحرية؛ إذ يقول "على الرغم من عدم قدرتي على التحرك والتحدث إلا من خلال الكمبيوتر، لكن بداخل عقلي أنا حر؛ حر لاكتشاف الأسئلة الأكثر عمقا للكون"، فمعادلة الحرية ورغبة الحياة بكل جوانبها -حسب رأيه- تأتي من العقل لتنعكس على الروح والإرادة والإبداع.
 
ولعل عبقرية العالم ونبوغه وفهمه لحركة الكون والأشياء والظواهر جعلته يؤمن بأنه "مجرد طفل لا يمكن أن يكبر أبدا، ويستمر في طرح أسئلة: كيف؟ ولماذا؟ ليجد الإجابة من حين إلى آخر". وحياة هذا "الطفل العبقري" لم تخل من المرح، حتى في أسوار الجامعة، كما ذكرت إندبندنت في تقرير عنه.
 
ومنذ مرضه -وهو في سن 21 عاما- يعد هوكينغ في تصريح لصحيفة نيويورك تايمز عام 2004؛ أن حياته منذ تلك اللحظة بمثابة "المكافأة"، وقد أدرك رغم كل شيء أنه "ما زال لديه الكثير ليفعله"، وقد كرس نفسه حتى بعد إعاقته بين العلماء الأفذاذ في العالم.
ولعل هذه التجربة الإنسانية القاسية جعلت العالم النابغة يدرك أيضا أن العلم ليس مجرد معادلات نظرية غامضة، بل يجب أن يكون في صلب الحياة حتى بتفاصيلها اليومية، ويرتبط براهن الإنسان ومستقبله، وأن يكون في خدمة مشاغل هذه البشرية، وما أكثرها، وهي فكرة تقدمية، قد يبقى الكثير من العلماء في عزلة عنها.
ولعل انحياز العالم للإنسان تمثل في محاولة تبسيطه النظريات والمعادلات الفيزيائية الكمية بلغة سهلة، سواء في كتابه "تاريخ موجز للزمن" أو محاضراته المختلفة؛ بهدف إيصالها إلى أغلب الناس من غير المتخصصين.
ولم يتقوقع هوكينغ في شخصيته العامة الشهيرة أو إعاقته، بل كان اجتماعيا ومسيّسا بامتياز ودون مواربة، إذ أيد زعيم حزب العمال اليساري جيرمي كوربين -حتى في انتخابات العام الماضي 2017- في المقاربات الاجتماعية لبرنامجه، خاصة في موضوع التغطية الصحية الشاملة، كما أيد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
 هوكينغ وهو شاب مع زوجته (مواقع التواصل الاجتماعي)
 
العلم والموقف
وعلى عكس الكثير من السياسيين والشخصيات العامة، التي لا تنتقد إسرائيل علانية خوفا من اللوبي اليهودي في بريطانيا؛ لم يخف عالم الفيزياء إدانته لهذا الكيان، وكان له موقف واضح من العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014، وقبل ذلك عمل بشكل واضح مع حملة المقاطعة الأكاديمية والثقافية للعلماء الإسرائيليين والحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها ( بي دي أس).
 
عام 2013 رفض تلبية دعوة لزيارة إسرائيل للمشاركة في حفل بمناسبة الذكرى السنوية التسعين لمولد الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز، -رغم أنه زار إسرائيل والتقى عام 2006 والتقى برئيس وزرائها الأسبق إيهود أولمرت- وكان يحذر من وقوع "كارثة" جراء استمرار إسرائيل في سياساتها تجاه الفلسطينيين.
 
وعام 2006 ألقى البروفيسور هوكينغ محاضرة بجامعة بيرزيت الفلسطينية أمام طلبة وأساتذة الجامعة وشخصيات فلسطينية متخصصة في الفيزياء، واشتهر هوكينغ بانتقاد الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف الحريات الأكاديمية في فلسطين.
 
وفي مناهضة واضحة لسرديات الحكومة البريطانية، وأغلب الإعلام البريطاني والمؤسسات الرسمية حول غزو العراق عام 2003، أدان هوكينغ هذا الغزو، رافضا تعلة أسلحة الدمار الشامل، وهذا الموقف يرتبط بمواقف أخرى له منذ شبابه، رافضة للحروب الأميركية، خاصة في فيتنام.
 
ومواقف هوكينغ من جانبيها السياسي والاجتماعي، ودفاعه عن العلم لمصلحة الإنسان؛ تجعله في خانة "التقدمي"، إذ بقي مهووسا بمستقبل الإنسان في ظل تطور الآلة والذكاء الاصطناعي، واللامساواة المتراكمة، في ظل تكدس الثروة لمن يملك وسائل الإنتاج، أي التكنولوجيا الفائقة.
 
ولعل "الهدف البسيط للغاية الذي وضعه هوكينغ، وهو الفهم الكامل للكون، جعله يدرك حجم "الثقوب السوداء" الكثيرة التي صنعتها البشرية لنفسها، ويحذر مرارا من الدمار الذي ينتظر مصيرها، مع الاحتباس الحراري وزيادة إمكانية الحروب النووية ونمو حبائل الذكاء الاصطناعي.
المصدر : الجزيرة