القوي وظله.. مفاتيح الكرملين بين بوتين وميدفيدف

بوتين (يمين) وميدفيدف احتكرا منصب رئاستي الدولة والوزراء في السنوات الماضية  (الأوروبية-أرشيف)
بوتين (يمين) وميدفيدف احتكرا منصب رئاستي الدولة والوزراء في السنوات الماضية (الأوروبية-أرشيف)
زهير حمداني
 

يبدو حضور ثنائية فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيدف في السلطة في روسيا الأكثر تعبيرا عن الواقع المتأرجح بين الخيار الديمقراطي والشمولية المموهة الموروثة عن العصر السوفياتي، ويقارب المحللون الروس هذه الثنائية على اعتبارها الوصفة السياسية الأمثل لتحديات الاتحاد الروسي الداخلية والخارجية.

وفي حقبة ما بعد تفكك الاتحاد السوفياتي (ديسمبر/كانون الأول 1991)وبانتهاء فترة حكم الرئيس بوريس يلتسين المضطربة (1991-1999)، يمارس هذا الثنائي  التداول على رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، وقد يستمر الأمر إلى ما بعد 2024.

ورغم انتقال روسيا الاتحادية دستوريا إلى نظام سياسي تعددي يتبنى نظريا منطق التداول على السلطة، فإن هذا التداول على صعيد الرئاسة والحكومة -على الأقل منذ 2008- بقي حكرا على فلاديمير بوتين (66 عاما) وديمتري ميدفيدف (53 عاما)، وفشلت محاولات شخصيات أخرى للنفاذ إلى هذه المنظومة، بينها محافظ البنك المركزي يوري لوجكوف.

النظام السياسي في روسيا بعد إقرار دستور 1993 -في عهد بوريس يلتسين- يعتبر نظاما رئاسيا، حيث يمكن الترشح لفترتين لمدة أربع سنوات (ست سنوات بعد تعديلات 2008).

ويعتبر مراقبون أنه رغم تبادل الأدوار، فإن ميدفيدف لم يكن سوى ظل للرجل القوي بوتين، وقد مثل "جسرا" له للبقاء في دائرة الحكم والالتفاف على الفصل الدستوري الذي يمنع الترشح لأكثر من فترتين متتاليتين.

وتولى بوتين منصب الرئيس من 2000 إلى 2008، في حين كان ميدفيدف مديرا لديوانه الرئاسي، ثم نائبا لرئيس الوزراء، وانتخب رئيسا من 2008 إلى 2012، كما كان بوتين رئيس وزرائه، ثم تبادلا المناصب من 2012 إلى 2018.

ميدفيدف انتخب رئيسا لفترة واحدة من 2008 إلى 2012 (الأوروبية)
البطل والظل
وتعود العلاقة بين الرجلين إلى أبعد من المناصب القيادية، فهما من مواليد سان بطرسبورغ (لينينغراد سابقا), ودرسا القانون في جامعتها، وعملا معا في لجنة الشؤون الخارجية لحكومة سان بطرسبورغ.
هذه العلاقة القديمة وعملهما معا في مناصب إدارية حكومية في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي، وفترة الرئيس بوريس يلتسين المضطربة، وما شهدته الدولة من اهتراء على جميع الواجهات؛ جعلتهما يتقاسمان مفاهيم مشتركة تجاه الوضع في البلاد ومستقبلها.
إضافة إلى العلاقات السابقة للرجلين وانحدارهما من المنطقة نفسها، فإن معرفة بوتين القوية بميدفيدف وخصائصه النفسية والسلوكية؛ جعلته يدرك أنه شخصية هادئة، ويعد "آخر الشخصيات في الصراع على السلطة"، وهو ما وطد أركان هذه الثنائية الحاكمة في روسيا طوال السنوات الماضية.
فقد كان ميدفيدف مديرا لحملة بوتين الرئاسية عام 2000، وأصبح بعد نجاح بوتين مديرا للديوان الرئاسي، ثم نائبا لرئيس الوزراء عام 2005. ورغم وجود ميدفيدف طوال 18 عاما الماضية في مسؤوليات كبرى، بينها الرئاسة ورئاسة الوزراء، فإن اسم فلاديمير بوتين كان طاغيا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
وفقا للكثير من المحللين الروس والغرب، فإن ميدفيدف يفتقد الكاريزما التي يمتاز بها الرئيس بوتين، التي تدعمت خلال عمله رئيسا للدولة ورئيسا للوزراء، حين اكتسب سمعة داخلية وخارجية كبيرة جعلته شخصية مثيرة للجدل، لكنها عالمية بامتياز.
وعلى عكس بوتين، لم يأت ميدفيدف من قاعدة سياسية أو خلفية حزبية، بل إن الفضل الأكبر في تكوينه العملي في الإدارة والحكومة يعود لبوتين نفسه -كما يؤكد محللون روس- وهو ما جعل بوتين يرى فيه استثمارا سياسيا مهما، وربما امتدادا لمشروعه السياسي والسلطوي القائم.
بوتين من المرجح أن يفوز بولاية رئاسية رابعة من 2018 إلى 2024 (رويترز)
البحث عن يلتسين
ورغم محاولات ميدفيدف لتخفيف طغيان شخصية بوتين في الفضاء السياسي الروسي أحيانا عبر انتقاد "الركود السياسي في الساحة السياسية التي يهيمن عليها حزب روسيا الموحدة"، أو من خلال التأكيد  على أنه "ليس ظلا لبوتين"، فإن واقع المشهد السياسي الروسي يبين شيئا مختلفا.
خلال السنوات الماضية، كان الغرب يرى في ميدفيدف الأقرب إليه باعتبار توجهه الليبرالي، وخلفيته التي لا تتصادم مع الغرب، في مقابل توجس من بوتين خريج "كي جي بي" والحالم بالمجد الروسي، الذي سعى إلى رتق ما مزقه بوريس يلتسين، ومواجهة الكثير من مراكز القوى، خاصة في عالم رجال الأعمال.
وبينما لا يوجه الإعلام الغربي انتقادات كثيرة لميدفيدف، رغم أنه شريك أساسي لبوتين في السلطة؛ يصوّب حملاته اللاذعة إلى فلاديمير بوتين، باعتبار أن ميدفيدف -وفق التصورات الغربية- ما هو إلا صنيعة بوتين الحامل للجرح القومي الروسي منذ أن كان ضابط مخابرات شابا عاد عام 1990 من مكاتب "كي جي بي" في برلين إلى موسكو متأثرا بانهيار الاتحاد السوفياتي.
يرى محللون روس إن ميدفيدف لا يحمل وزر هذا التاريخ السوفياتي ولا عبء محاولة إيقاظه، لكنه تمثّله خلال فترة عمله الطويلة مع بوتين، وأصبح  يشاطر "القيصر" في حلم تحويل روسيا إلى دولة قوية مهابة، واقتنع بسياساته الخارجية، خاصة بعد الخلاف حول القرار الأممي 1973 عام 2011 -في عهد رئاسة ميدفيدف- الذي أتاح للناتو التدخل في ليبيا بعد امتناع موسكو عن التصويت.
ومن المرجح أن يفوز بوتين بمنصب الرئاسة في انتخابات 18 مارس/آذار الجاري، في غياب مرشحين أقوياء قد يقلبون المعادلة، وبحكم المركزية الشديدة للدولة، رغم وجود المؤسسات الدستورية المختلفة، كما من المنتظر أن يصبح ميدفيدف رئيسا للوزراء مرة أخرى، لتستمر لعبة الكراسي الموسيقية بين الرجلين القويين في روسيا.
وفي وقت يرى فيه الكثير من الروس أن ميدفيدف سيكون الخليفة الأفضل لبوتين في المرحلة القادمة على مستوى منصب الرئاسة والمشروع الذي يقوده، في فترة حساسة زادت فيها حدة التوتر السياسي والعسكري مع الولايات المتحدة والناتو؛ تستعجل وسائل إعلام غربية تفكيك هذه الثنائية، سواء بثورة برتقالية أو بظهور "يلتسين" جديد.
المصدر : الجزيرة + وكالات