قرى الأطلس المغربي.. معاناة من التهميش والثلوج

سناء القويطي-الرباط

يتحلق الأمازيغي سعيد باوسعيد وشقيقه إسماعيل وقريباه حول موقد النار، يلتمسون الدفء في أحد أيام الشتاء الباردة في قرية تاحفشانت على علو ألفي متر في جبال الأطلس المتوسط بالمغرب. يرفع الرجل السبعيني سبابته نحو السماء قائلا بالأمازيغية ما معناه "نحن وماشيتنا تحت رحمة الله".

ببشاشة غامرة، استقبل السبعيني سعيد أقاربه الذين جاؤوا للسؤال عن أحواله بعدما حال بينهم التساقط الكثيف للثلوج خلال الأيام الثلاثة الماضية. بعربية متكسرة يقول إسماعيل إن الثلوج عزلتهم عن العالم الخارجي لأيام، كانوا خلالها لا يفارقون بيوتهم ويقضون يومهم قرب موقد النار الذي لا ينطفئ طيلة فصل الشتاء ولا يخرجون إلا لإطعام الماشية.

لم يكن الوصول إلى بيت سعيد باوسعيد بقرية تاحفشانت سهلا، فهي تبعد حوالي مئة كلم عن مدينة إفران في جبال الأطلس المتوسط وسط المغرب، وعاشت لأيام في عزلة بسبب التساقطات الثلجية الاستثنائية التي شهدتها المناطق الجبلية بالمغرب.

استلزم التنقل إلى القرية انتظار قيام آلية إزاحة الثلوج بفتح الطريق الوحيدة المؤدية إليه، وهي طريق ضيقة تكفي لمرور سيارة واحدة فقط، تحف جانباها الثلوج التي يتجاوز ارتفاعها المترين في بعض الأماكن.

تتناثر المنازل المتباعدة والمبنية بالطين والحجر على الجبال، تغمرها الثلوج فيكسوها بياض يراه أهل المدن جمالا ومتعة وسحرا، لكنه بالنسبة لسكان الجبال من القرويين قساوة ومعاناة وعزلة.

الثلوج تداهم بيوت قرية تاحفشانت المبنية بالطين والحجر والمسقوفة بالبلاستيك والقصدير (الجزيرة)

استعدادات مبكرة
يستعد سكان قرى الأطلس المتوسّط لفصل الشتاء مبكرا منذ أكتوبر/تشرين الأول، فيطحنون ما يكفيهم لشهور من القمح ويقتنون كل ما هو ضروري من المواد الغذائية، ويجهزون حطب التدفئة. وإذا كان من حظ أهالي تاحفشانت جوارهم لغابة الأرز التي يجمعون منها الحطب لمواجهة البرد القارس، فإن سكان باقي القرى المحيطة بإفران يشترون حطب التدفئة، وتحتاج الأسرة الواحدة لطنين من الحطب بقيمة ألفي درهم (حوالي 112 دولارا).

يأخذنا سعيد في جولة حول بيته، يشرح لنا بإشارات يده وحديث أمازيغي تتخلله كلمات عربية أن الثلوج التي تكسو الجبال في فصل الشتاء تضيف إلى أعبائهم عبء شراء علف المواشي التي تظل طيلة مدة تساقط الثلوج حبيسة الحظائر.

يشتري سكان المنطقة الذين يمتهن معظمهم تربية الماشية، كيس الشعير بـ220 درهما (نحو 25 دولارا) وكيس النخال بـ110 دراهم (حوالي 12 دولارا)، ففي هذه الجبال حياة الماشية لها أهمية كما هي حياة الإنسان بالنسبة للقرويين.

بنية تحتية هشة
تقع قرية تاحفشانت بمنطقة البقريت التابعة للجماعة القروية وادي إفران التي يبلغ عدد سكانها 10 آلاف نسمة أي 2358 أسرة، حسب نتائج إحصاء 2014. وتعاني هذه المنطقة من أوضاع مزرية بسبب التهميش الذي تعاني منه منذ عقود، هذه الأوضاع دفعت الساكنة إلى الخروج في مسيرة احتجاجية نهاية أغسطس/آب الماضي للمطالبة بمشاريع تنموية وتقوية شبكة الطرق وتحسين البنية التحتية.

معاناة النساء وباقي سكان قرية تاحفشانت تتفاقم في موسم تساقط الثلوج (الجزيرة)

وتبعد المدرسة الابتدائية عن تاحفشانت بستة كيلومترات، يذهب إليها صغار هذه القرية والقرى الأخرى البعيدة مشيا على الأقدام مرورا بغابة الأرز لاختصار الطريق، وبسبب البرد القارس وتساقط الثلوج يضطر التلاميذ لملازمة البيوت والتوقف عن متابعة دروسهم لأن الثلوج تحول دون وصول المعلم والتلاميذ للمدرسة.

بنبرة حالمة يأمل إسماعيل أن توفر السلطات لأبنائهم سيارة نقل مدرسي تنقل أطفال القرى البعيدة إلى المدرسة، ويشرح مشيرا إلى الغابة المحاذية للقرية أن الأطفال يحتاجون دائما إلى مرافقة بالغ في رحلة ذهابهم اليومية من وإلى المدرسة لحمايتهم من هجمات الخنزير البري.

بمحاذاة المدرسة، يوجد مستوصف قروي يقول إسماعيل إنه مغلق غالبا، فهو لا يتوفر على طبيب، أما الممرضة فتأتي مرة في الأسبوع.

ومن أجل الولادة، تضطر نساء هذه الدواوير إلى الذهاب وهن مثقلات بآلام المخاض إلى مستشفى مدينة تمحضيت الذي يبعد حوالي 50 كيلومترا أو مستشفى آزرو الذي يبعد حوالي 70 كيلومترا، أما في حالة انقطاع الطريق بسبب الثلوج، فتبقى الحوامل تحت رحمة الله وخبرة بعض النساء الكبيرات في السن.

يكشف سعيد باوسعيد عن ذراعه التي تظهر فيها آثار بقع وردية، يقول وهو يحمل علبة دواء بيده "كنت أعاني من حكة في يدي، ذهبت إلى أطباء القافلة، فحصوني ووصفوا لي دواء للحساسية". فبسبب الانخفاض المتواصل لدرجات الحرارة التي تصل في بعض المناطق الجبلية إلى 10 تحت الصفر، عبأت وزارة الصحة المغربية قوافل طبية لفائدة القرويين لتقديم العلاجات للمتضررين. وحسب البيانات الرسمية، تم تنظيم 371 قافلة طبية لفائدة ما يفوق 207 آلاف شخص.

مواجهة الصعوبات
تتعدد المشاكل والصعوبات التي يعانيها سكان القرى الجبلية في الأطلس المتوسط والتي تُحوّل حياتهم إلى معاناة لا تنتهي، بعض الأشياء على بساطتها تشكّل بالنسبة لهم مشكلة حقيقية. فقضاء الحاجة في هذا الطقس البارد أحد أوجه المعاناة.

ففي هذه القرى، لا تتوفر البيوت المبنية بالتراب والقصدير والبلاستيك على مراحيض، بل يقضي السكان حاجتهم في الخلاء وسط الثلوج، مما يُسبب لهم أمراضا كثيرة، أو يضطرون إلى قضائها في أكياس بلاستيكية إذا ما وجدوا صعوبة في الخروج إلى الخلاء بسبب تساقط الثلوج بكثافة.

يتمسك القرويون بالجبال ويرون الحياة خارجها سجنا. ورغم إمكانياتهم البسيطة والحياة الصعبة التي ولدوا وكبروا فيها، فإنهم راضون بحياتهم، يقتسمون المراعي ويواجهون بتضامن قساوة الطبيعة ووعورة الجبال. "هذا ما وجدنا عليه أجدادنا وآباءنا وعلى نفس أسلوب الحياة نستمر"، يقول إسماعيل وهو ينظر إلى الجبال المكسوة بالبياض، آملا أن يكون مستقبل أحفاده أفضل.

المصدر : الجزيرة