خبير: أزمة الخليج امتدت إلى القرن الأفريقي

خبير: أزمة الخليج امتدت إلى القرن الأفريقي

عبدي: السعودية والإمارات تهددان  العمالة الإثيوبية بالطرد الجماعي (تويتر)
عبدي: السعودية والإمارات تهددان العمالة الإثيوبية بالطرد الجماعي (تويتر)

انعكست أزمة الخليج الناجمة عن حصار قطر والسباق على القواعد العسكرية في القرن الأفريقي على التوترات الإقليمية في تلك المنطقة، مما يهدّد بنشوب صراعات جديدة فيها. وتولى مدير مشروع القرن الأفريقي في مركز المجموعة الدولية للأزمات رشيد عبدي تفكيك الشبكة المعقّدة من العلاقات التي تربط القرن الأفريقي بالخليج، من خلال إجابته عن مجموعة من الأسئلة نشرت في 3 أغسطس/ آب 2017 على موقع المجموعة.


كيف تؤّثر أزمة الخليج على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي؟

إن الخليج والقرن الأفريقي هما منطقتان متشابكتان بشكل وثيق، إذ تواجهان تهديدات ومواطن ضعف مشتركة، وهي: الصراعات المسلحة والحركات الجهادية العابرة للحدود الوطنية والجريمة المنظمة، بما فيها القرصنة والاتجار بالبشر وغسل الأموال.

وتأتي الأزمة الراهنة في لحظة عصيبة بالنسبة للقرن الأفريقي الذي تمزّقه أصلا النزاعات، حيث إن كثيرا من دوله هي إما غير مستقرة سياسيا، أو غارقة في نزاعات مسلحة داخلية، أو لا تزال في حالة من السلام الهش بعد انتهاء الصراع فيها.

وقد أدى الاضطراب في الخليج إلى تصعيد حاد في العسكرة الخطيرة الجارية أصلا في المنطقة، حيث يتم الضغط على الحكومات فيها لتأييد إمّا السعودية والإمارات العربية المتحدة أو قطر (وبشكل غير مباشر تركيا أيضا)، وقد أدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار بشكل عميق، وزرع الانقسامات الإقليمية الجديدة، وأيقظ العداوات النائمة. ولعل أكثر ما يبعث على القلق هو أن أزمة الخليج قد تضع إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي على طريق المواجهة المسلحة، مما قد يحيي أخطر نزاع إقليمي ثلاثي في القرن الأفريقي.

ازدادت حدة التوترات الحدودية في يونيو/حزيران، عندما سحبت قطر أربعمئة مراقب كانوا يراقبون وقف إطلاق النار في جزيرة دميرة على البحر الأحمر -والتي تطالب بها كل من إريتريا وجيبوتي- احتجاجا على دعم البلدين خصومها في الخليج.

استغلت إريتريا هذه الخطوة فنشرت بسرعة قوات لتثبيت سيطرتها بحكم الأمر الواقع على الجزيرة. وقد تكون أسمرة قد عمدت إلى فرض قرار بشأن وضع الجزيرة الذي ظل غير مقرّر منذ الاشتباكات الحدودية عام 2008، غير أن أفعالها زادت من خطر نشوب نزاع مسلح خطير، والذي من المرجح أن يجرّ إليه أيضا إثيوبيا المجاورة لإريتريا، عدوتها اللدودة والحليف الإستراتيجي لجيبوتي.

وعلى الرغم من احتجاجات جيبوتي ودعواتها الى تدخل مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، يبدو ان إريتريا غير راغبة في سحب قواتها والدخول في محادثات تهدف إلى الوصول إلى تسوية سلمية.

إن التقارير التي تفيد بأن إثيوبيا تحشد قواتها لإخراج القوات الإريترية من دميرة لم يتم التحقق منها بعد، ولكنها ليست بعيدة عن التصديق، وإن لم يتم احتواؤها بسرعة، فإن التوترات الإقليمية المتجددة حول دميرة يمكن أن تؤدي إلى نشوب مواجهات أشد خطورة على الحدود الإريترية الإثيوبية المتوّترة، وعلى الحدود بين جيبوتي وإريتريا.

وقد فشلت دعوات الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة للحوار حتى الآن. ودعت جيبوتي الاتحاد الأفريقي إلى نشر قوات محايدة أو مراقبين في المناطق المتنازع عليها، بيد أن إريتريا -التي كانت قد منعت فريقا من مراقبي الاتحاد الأفريقي من زيارة الجزيرة- سوف ترفض أي تدخل من هذا القبيل.

وقد عرضت الصين نشر قوات في دميرة، لكن بالرغم من أن بكين لها علاقات طيبة مع كل من إريتريا وجيبوتي، فإن من غير الواضح ما إذا كان هذا الطرح سيكون مقبولا من قبل أي من البلدين. علما بأن الصين نشرت في يوليو/تموز أول وحدة من قواتها القتالية في قاعدتها العسكرية الجديدة بجيبوتي، وهي إشارة إلى نيتها لعب دور أكثر بروزا في المنطقة.

لماذا تعد ردود فعل إثيوبيا ومصر وإريتريا مهمّة؟

لا تزال إثيوبيا -وهي القوة الدبلوماسية والعسكرية الأبرز في القرن الأفريقي- على الحياد، وأعرب رئيس وزرائها هيلاميريام ديسيلين في 7 يوليو/تموز عن قلقه، وأبلغ البرلمان في خطاب ألقاه على الهواء مباشرة أن أزمة الخليج "يجب أن تحل على وجه السرعة"، وإلّا فإنه يمكن لها أن "تزعزع الاستقرار" في المنطقة بأسرها، كما قال.

وأعرب عن قلقه بشكل خاص من الوجود العسكري المتزايد لدول الخليج، مما يعكس مخاوف بلاده من أن تغتنم إريتريا -التي تلعب دورا محوريا في إستراتيجيات الرياض وأبو ظبي الإقليمية- هذه الفرصة لتعزيز قدرتها العسكرية.

كما أن الطابع الطارئ للـ"مسألة الإريترية" في أديس أبابا مرتبط أيضا بالتنافس الإثيوبي مع مصر، التي لها علاقات وثيقة مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. ولقد عزّزت مصر من تعاونها العسكري مع إريتريا، فضلا عن تعزيز وجودها في البحر الأحمر، حيث نشرت أسطولا من سفن قتالية تضم فرقاطة قادرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى.

وبينما يدعي المسؤولون الإريتريون والمصريون أن تعاونهم البحري هو لأغراض "مكافحة القرصنة" فقط، فإن بعض المعلقين الإثيوبيين يتّهمون القاهرة بمحاولة عزل إثيوبيا أو زعزعة استقرارها من خلال عملية "التطويق الإستراتيجي".

يكمن وراء التنافس بين إثيوبيا ومصر النزاع الطويل حول بناء الأولى سد النهضة. وأدت أزمة الخليج إلى تضخيم شكوك إثيوبيا فيما يتعلق بطموحات مصر في القرن الأفريقي، وهو ما سوف يؤدي بالتأكيد إلى تعقيد المفاوضات الصعبة أصلا حول كيفية تقسيم حصص مياه النيل. ففي شهر يونيو/حزيران، فشل اجتماع دول حوض النيل الذي دعا إليه الرئيس الأوغندي يوري موسفني، مما يعكس التوترات المصرية الإثيوبية المتزايدة.

لا تزال العلاقات الإثيوبية مع المملكة العربية السعودية ودية، على الرغم من الخلافات الجدّية بشأن الترحيل المزمع لآلاف العمال المهاجرين الإثيوبيين من المملكة. لا تزال المملكة مصدرا مهما للاستثمار في البلاد، ولكن الاهتمام العسكري المتزايد للسعوديين بالقرن الأفريقي يثير مخاوف مسيحية قديمة من نوايا القوى العربية والإسلامية.

ما الذي يجعل الصومال عرضة للخطر؟

الصومال عضو في جامعة الدول العربية، وتعتبره القوى العربية المتنافسة جزءا من الأمة الإسلامية. وترى أن الموقع الإستراتيجي للصومال أمر حاسم لحماية "الوطن العربي" و"أمن الوطن العربي".

لكن القوى العربية تتنافس فيما بينها على النفوذ في الصومال، فحتى وقت قريب، كانت السعودية ومصر من أبرز اللاعبين المتنافسين في الصومال، والآن ظهرت قطر والإمارات العربية المتحدة على الساحة أيضا. وهذه القوى تدعم بنشاط السياسيين الصوماليين المتنافسين، مما يساهم في تعميق الثقافة الزبائنية فيه.

وقد قاوم الرئيس محمد عبد الله فرماجو حتى الآن الضغط السياسي والمالي لدعم المحور السعودي الإماراتي وقطع صلاته مع قطر، ويبدو أنه -عن طريق اختيار الوقوف على الحياد- عزز من مصداقيته على الصعيد المحلي.

ومع ذلك، فإن حكومة الصومال الاتحادية تواجه خطر خسارة المساعدات العسكرية والمالية السعودية والإماراتية. وتفيد التقارير بأن المحادثات التي جرت في أوائل يوليو/تموز بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ورئيس الوزراء الصومالي حسن خيري كانت مشوبة بالتوتر، ويقال إن الجبير شن هجوما عنيفا على مقديشو، محذرا من عواقب وخيمة ما لم تقطع علاقاتها مع الدوحة.

كما ادّعت بعض التقارير أن الإمارات العربية المتحدة تفكر في إنهاء برنامج لتمويل وتدريب وتجهيز وحدة القوات الخاصة للجيش الوطني الصومالي، وليس من الواضح ما إن كانت قوة شرطة بونتلاند البحرية المدربة من قبل دولة الإمارات -أي حرس السواحل في بونتلاند- ستتأثر أيضا، ولكن ذلك مستبعد جدا، على الأقل بسبب الروابط الوثيقة بين الإمارات والحكومات الصومالية المحلية.

ويدعي بعض النقاد المحليين أن "حياد" الحكومة يضرّ بالمصلحة الوطنية، وأن له دوافع أيديولوجية. فرماجو -كما يدعون- يتأثّر بأشخاص معينين في المناصب العليا لهم صلات وثيقة مع قطر وارتباطات عقائدية مع جماعة الإخوان المسلمين. ولكن الحكومة تلقت أيضا دعما من قطر، والأهم من ذلك، من حليفتها تركيا أيضا.

في منتصف يونيو/حزيران، وجّه رئيس الوزراء نداءات سرية إلى المانحين الغربيين، مشيرا إلى أن السعودية والإمارات قررتا وقف الدعم المباشر للميزانية العامة. إن فقدان الدعم المالي السعودي من شأنه أن يسبب ضررا كبيرا، مما سوف يعوق قدرة الحكومة على العمل، بيد أن نداء الصومال أتى في وقت مشؤوم للاتحاد الأوروبي وغيره من المانحين الرئيسيين الذين يكافحون لجمع الأموال تجنبا للمجاعة ودعما لعملية حفظ السلام المكلفة في البلاد.

ماذا كسبت أرض الصومال؟

لقد أدى الصراع اليمني والأزمة الداخلية في الخليج إلى تسليط الضوء على أرض الصومال التي انفصلت عن الصومال عام 1991، وإعطائها أهمية جيوسياسية. وقد عزز كل من هذين التطورين من أهميتها الإستراتيجية بالنسبة للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، مما يعني أنه في الوقت الذي تواجه فيه مقديشو احتمال حدوث أزمة نقدية بسبب الأزمة، فإن أرض الصومال قد تجني ثمارا مالية ضخمة منها.

وقد حصلت الجمهورية المعلنة من جانب واحد على مجموعة من الصفقات العسكرية والتجارية وصفقات البنية التحتية المربحة مع دولة الإمارات. فبموجب اتفاق لتطوير ميناء بربرة، سوف تحصل أرض الصومال على 442 مليون دولار من مجموعة موانئ دبي، وبموجب اتفاق منفصل منحت أرض الصومال الإمارات عقد إيجار لمدة 25 عاما لبناء قاعدة عسكرية واستخدام مطار بربرة، ومن المتوقع أن يجذب ذلك حوالي مليار دولار من الاستثمارات لتطوير البنية التحتية وتحديثها.

في أواخر يونيو/حزيران، زار الرئيس أحمد محمد محمود سيلانيو دولة الإمارات لتعزيز "الشراكة الإستراتيجية القوية" مع أبو ظبي والتحالف الذي تقوده السعودية، كما ألغت الحكومة اتفاقية كانت قد تسمح للخطوط الجوية القطرية باستخدام المجال الجوي في أرض الصومال.

يقوم الرئيس والحزب الحاكم -الذي سيواجه انتخابات صعبة في وقت لاحق من هذا العام- بتسويق صفقة الإمارات العربية المتحدة على أنها مصدر هائل للتنمية في البلاد، لكن الصفقة لا تزال تواجه عقبات، إذ إن الصومال -التي تطالب بالسيادة على أرض الصومال- تقوم بالطعن في الشرعية الدولية للاتفاق، كما أن إثيوبيا تشعر بالقلق إزاء البنود العسكرية فيه.

ولتهدئة هواجس الحكومة الإثيوبية، سوف تعطيها جمهورية أرض الصومال وموانئ دبي العالمية حصة تجارية نسبتها 19% من ميناء بربرة، ولكن مع ذلك، فإن تحذيرات رئيس الوزراء الإثيوبي بشأن الوجود العسكري العربي المتنامي تشير إلى أن أديس أبابا لا تشعر بالاطمئنان.

ميناء عصب الإريتري (الجزيرة)

ما مدى أهمية البصمة العسكرية الخليجية في القرن الأفريقي؟

لقد وقّعت السعودية ودولة الإمارات اتفاقات تعاون عسكري سوف توّسع وتزيد من وجودهما العسكري في إريتريا وجيبوتي وأرض الصومال والصومال. دافعهما الأساسي هو الحرب في اليمن، وخاصة جهودهما للسيطرة على الساحل اليمني، وقطع طرق إمدادات المتمردين، وزيادة الهجمات البحرية والجوية على قوات الحوثيين وأنصار الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عبر الجبهة الجنوبية.

أقامت الدولتان الخليجيتان مركزا لوجستيا في منشأة حراموس بالقرب من معسكر ليمونير، حيث قامتا بنشر قوات متخصصة هناك للمساعدة في المجهود الحربي في اليمن. لكن أدّى نشوب خلاف -لم يتضح بعد سببه- إلى طرد جيبوتي الإماراتيين والسعوديين الذين انتقلوا من بعدها إلى إريتريا عام 2015. ثم قامت دولة الإمارات بقطع العلاقات مع جيبوتي بشكل مؤقت، ولكن تم إصلاح العلاقة بهدوء عام 2016، كما توصلت السعودية إلى اتفاق منفصل لإنشاء قاعدة هناك.

تشكّل إريتريا عامل جذب واضح للإستراتيجية العسكرية الخليجية: فهي لديها منشآت عسكرية متطورة، وقوات مسلحة مخضرمة، وموقعها قريب من الساحل الجنوبي لليمن.

وقعت الدولتان العربيتان (السعودية والإمارات) اتفاقا مع إريتريا عام 2015، منحهما إيجارا لمدة ثلاثين عاما لاستخدام ميناء عصب، وهو يتضمن مطارا عسكريا قريبا من الميناء ومرافق أخرى على الجزر الإريترية في البحر الأحمر.

ويمكن لدولة الإمارات العربية المتحدة استخدام هذه المواقع لإطلاق ضربات جوية وبحرية في عمق اليمن، كما تدعم مئات من القوات الإريترية والقوات الخاصة التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، بالإضافة إلى قوات أخرى من السودان والصومال.

درّب الإماراتيون أيضا مئات من "الكوماندوز" الصوماليين في مقديشو. ولزيادة الدعم العسكري للحكومة الصومالية ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز جهود مكافحة الإرهاب في الصومال، ومكافحة النفوذ العسكري المتزايد لتركيا التي لها قاعدة في مقديشو، وتأمين حلفاء عسكريين إقليميين للحملة الإماراتية في اليمن.

وأخيرا، وقعت الإمارات اتفاقية مع أرض الصومال لبناء قاعدة بحرية في بربرة. والقاعدة البحرية المقترحة هي مجاورة لميناء بربرة، والذي -كما أسلفنا- يدار جزئيا من قبل شركة إماراتية. وقد احتجت الحكومة الصومالية على هذه الصفقة، لكنها خفّفت من حدّة موقفها بعد زيارة قام بها الرئيس فرماجو إلى الرياض والإمارات.

ومن الجدير بالذكر أن ثلاث دول في القرن الأفريقي تشارك حاليا بنشاط في الصراع اليمني، وهي السودان وإريتريا والصومال.

لماذا يتمتّع القرن الأفريقي بأهمّية فائقة بالنسبة للخليج؟

جعلت قرون من انتشار الأديان والتجارة المشتركة منطقة الخليج والقرن الأفريقي من بين أكثر المناطق ارتباطا في العالم. وترى القوى الخليجية المنطقة المتاخمة للبحر الأحمر وخليج عدن امتدادا طبيعيا لنفوذها.

وبالنسبة للسعوديين -على وجه الخصوص- فإن السعي وراء التأثير الإستراتيجي يجمع عادة بين المساعدات الإنسانية ونشر العقيدة الوهابية. وقد تم ايلاء المسألة الأخيرة أولوية أكبر بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتزايد تأثير الإسلام الشيعي. وحتى وقت قريب، لم تكن التجارة عالية جدا في جدول الأعمال السعودي.

السباق اليوم على التأثير مدفوع بالضرورات الجغرافية الاقتصادية والجغرافية الأمنية، بما في ذلك السعي لتأمين مستقبل ما بعد النفط والتحضير المسبق لصراع مستقبلي محتمل مع إيران.

وقد زادت دول الخليج -خاصة دولة الإمارات- من استثماراتها في البنية التحتية والعقارات وقطاعات الضيافة والنقل والاتصالات بشكل كبير في القرن الأفريقي. وبالإضافة إلى اتفاقها مع أرض الصومال، حصلت موانئ دبي العالمية على امتيازات لإدارة سلسلة من الموانئ تحت سيطرة الحكومات الوطنية والمحليّة في جيبوتي، وبوصاصو (بونتلاند)، وكيسمايو (سلطة جوبالاند المؤقتة)، وفي الآونة الأخيرة في باراوي (جنوب الصومال).

وعلى حد قول دبلوماسي رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي، فإن الإمارات العربية المتحدة "تتبع إستراتيجية حزام واحد وميناء واحد في القرن الأفريقي، تحاكي مشروع حزام واحد طريق واحد الذي تقوده الصين".

كما يقدم صندوق أبو ظبي للتنمية قروضا ومنحا لتمويل مشاريع البنية التحتية في الصومال وكينيا، وتشتري كينيا الآن الجزء الأكبر من نفطها من الإمارات العربية المتحدة، وفي المقابل تصدر إليها منتجات مثل القهوة والشاي والمنسوجات.

وبما أن الأمن الغذائي قد أصبح عنصرا رئيسيا في الإستراتيجية الإقليمية الخليجية، فإن صناديق الثروة السيادية لديها تقوم بشراء الأراضي الزراعية في القرن الأفريقي. فقد اهتمت السعودية منذ فترة طويلة بإثيوبيا، وهي دولة ذات مياه وفيرة وأراض خصبة. ويمتلك الملياردير السعودي الإثيوبي محمد العمودي، مزرعة ضخمة للأرز في غامبيلا جنوب غرب إثيوبيا، وهي مروية بمياه محولة من نهر ألويرو.

وأخيرا، فإن قطر -التي تعتمد بشكل كبير على الواردات الغذائية- تسعى أيضا للقيام باستثمارات زراعية. وقد تفاوضت قطر مع كينيا عام 2009 للحصول على أربعين ألف هكتار من الأراضي في دلتا تانا الخصبة، لكن ردّة الفعل المحلية السلبية (قضايا الأراضي تظلّ حساسة للغاية في كينيا) كانت قد أدّت إلى تجميد تلك المحادثات. إلا أن صندوق الاستثمار القطري وقع مؤخرا عقدا بقيمة مليار دولار لدعم الخطط التي تقوم بها مجموعة الحصاد الغذائية في الدوحة، لزراعة عشرين ألف هكتار في شمال السودان.

ويزود القرن الأفريقي أيضا الخليج باليد العاملة الرخيصة، ثم يرسل أولئك العمّال تحويلات كبيرة إلى أوطانهم. وعلى الرغم من أن هذه الهجرة مفيدة اقتصاديا، فإنها تسبب احتكاكا سياسيا، فدول القرن الأفريقي تتهم نظراءها الخليجيين بفرض معايير عمل ضعيفة تشجع على سوء معاملة عمّاله، فيما تقول الدول العربية إن الحكومات في القرن الأفريقي لا تفعل ما فيه الكفاية لوقف الهجرة غير الشرعية إليها، التي ارتفعت بشكل ملحوظ في العقدين الماضيين. وقد أدت عمليات القمع الدوري وطرد العمال المهاجرين إلى توتر العلاقات بين الخليج ودول مثل إثيوبيا والسودان والصومال.

وعانت إثيوبيا -التي يقدر عدد عمالها في السعودية وحدها بخمسمئة ألف عامل- من العواقب هذه بشكل خاص، ويواجه نحو 23 ألف إثيوبي الآن في المملكة خطر الترحيل الفوري. كما أن هذه المسألة لها أبعاد سياسية: فيبدو أن السعودية والإمارات عازمتان على استخدام التهديد بالطرد الجماعي للعمّال الأفارقة، للضغط على دول القرن الأفريقي لقطع علاقاتها مع قطر. وهذا يضع موقف الحياد الرسمي لإثيوبيا تحت ضغط كبير.

المصدر : المجموعة الدولية للأزمات