أطفال العراق الفقراء.. أحلام بددتها الشوارع والمخيمات

مروان الجبوري-بغداد

مع إشراقة كل صباح وحين يتوجه الطلبة إلى مدارسهم والموظفون إلى أعمالهم، يخرج أمجد سعد ذو 13 ربيعا للوقوف في تقاطعات الطرق بمنطقة المنصور وسط بغداد، يحمل بيديه قطعة قماش وملمع زجاج، وحين يتغير لون إشارة المرور للأحمر يقفز أمجد مع رفاقه نحو السيارات المتوقفة ليبدؤوا برش زجاجها ومسحه بسرعة طمعا في الحصول على مبلغ قليل من أصحابها، حتى وإن كان نصف دولار.

لم يكن حال هذا الطفل وأترابه قبل ثلاثة أعوام ونصف العام هكذا، فأسرته كانت تقيم في منطقة يثرب جنوبي سامراء وتعيش وسط بستان تمتلكه، لكن نيران الحرب دفعتها للهروب بجلدها نحو العاصمة لتكون بداية رحلة شقاء.

فحين تنتصف الشمس في رابعة السماء، يجلس أمجد ومعه صديقاه القادمان من المنطقة نفسها ليأكلوا وجبات فلافل خفيفة، سعر الواحد منها 500 دينار (40 سنتا)، ومعه قنينة ماء هي فطورهم وغذاؤهم اليومي إلى حين العودة للمنزل.

ترك أمجد المدرسة منذ أن قدم إلى العاصمة العراقية، ويقول إن أسرته ليس لها معيل سواه بعد أن فقد والده في رحلة الهروب، ولم يبق إلا هو وشقيقه الأكبر (15 عاما) كي يتدبرا مصاريف أمهما وأخواتهم الثلاث.

يضطر الكثير من الأطفال الفقراء بالعراق إلى التسول في الشوارع العامة (الجزيرة)

ومع حلول المساء يعود الصبية إلى منازلهم حاملين في أيديهم بضعة آلاف من الدنانير، ربما لا تتجاوز العشرين دولارا، وهو ما يكفي مجموعه شهريا بالكاد لإيجار منزلهم في منطقة الدورة جنوبي غربي بغداد.

الحرب والنزوح
أمجد ورفاقه هم عينة من ملايين الأطفال الفقراء بالعراق الذين دفعتهم ظروف الحرب والنزوح أو العوز إلى ترك منازلهم ومدارسهم والعمل في الشارع، معرضين أنفسهم لأخطار كثيرة وهم في سن مبكرة.

وقد أصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) مؤخرا بيانا قالت فيه إن طفلا واحدا من بين كل أربعة أطفال يعاني الفقر في العراق، وقالت اليونيسيف إن ذلك "يرغم الأسر على اتخاذ تدابير غير اعتيادية للبقاء على قيد الحياة".

ولا تكاد تخطئ العين في منطقة الشيخ عمر الصناعية ببغداد الأعداد الكبيرة من الأطفال الذين يعملون في ورش تصليح السيارات، بعضهم لم يبلغ العاشرة ويلبس ملابس العمل الملطخة بالزيوت والتراب، وينهمك في مساعدة "معلمه".

ولا يكاد يوجد من بين مئات الأطفال الذين يعملون هنا من هو منتظم في سلك الدراسة، أو يتمتع برعاية صحية جيدة، فجميعهم من أبناء الفقراء الذين ألقت بهم ظروف الحياة إلى أتون الشارع ليواجهوا قسوة الحياة مبكرا.

الحرب في العراق زادت أعباء إضافية على مئات آلاف الأسر المعوزة (الجزيرة)

وتحكي الناشطة الإنسانية إيمان الشيخلي عشرات القصص التي واجهتها أثناء عملها في تقديم المساعدات لهؤلاء الأطفال، فمعظمهم يعانون من انقطاعهم عن الدراسة، ويتربى كثير منهم في الشارع، مكتسبين قيما سلبية بعيدا عن أجواء الأسرة.

وتقول الشيخلي، وهي رئيسة لفريق "صناع التغيير" الإنساني، إن الضحية الكبرى لهذه الأوضاع هم الأطفال النازحون مع أسرهم، فكثير منهم لم يعد إلى دياره وفقدوا الاتصال بأقاربهم وذويهم.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنهم يتعرضون لاستغلال جسدي ومادي بشع من البعض بسبب ظروفهم الصعبة، وأدمن بعضهم التدخين والمخدرات والكحول، وهو ما يرسم صورة قاتمة لمستقبل ملايين الأطفال والأسر العراقية.

أرقام حكومية
وتقول البيانات الحكومية العراقية إن نسبة الفقر في البلاد بلغت 28% من مجموع السكان البالغ نحو 38 مليون نسمة، ومعظم هؤلاء من الأطفال. وقد ارتفعت النسبة منذ بدء الحرب الأخيرة في العام 2014 بعد نزوح نحو أربعة ملايين عراقي، ومقتل وإصابة عشرات الآلاف منهم.

ويؤكد المتحدث باسم وزارة العمل عمار منعم أن أعداد الأطفال المشردين والمتسربين من الدراسة قد تضاعفت بعد حركة النزوح الكبيرة، وسكن مئات الآلاف منهم في المخيمات، وافتقارهم إلى مصدر رزق ثابت.

ووفقا لمنعم فإن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تمنح رواتب لعدد من الأسر الفقيرة وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة تتراوح بين 100 ألف و225 ألف دينار شهريا (بين 80 و90 دولارا) حسب ظروفهم واحتياجاتهم.

لكن ناشطين يوجهون انتقادات كثيرة لوزارة العمل العراقية، فالمبلغ لا يغطي تكاليف حاجيات العوائل، مما يدفع بعض أبنائهم للتسول أو بيع بضائع زهيدة الثمن في الأماكن العامة، كما أن عدد المشمولين بهذه المساعدات لا يتجاوز ربع المستحقين.

اتجار بالأطفال
وتشكك عضو لجنة المرأة والأسرة والطفولة في البرلمان العراقي ريزان شيخ دلير في الأرقام التي أعلنتها اليونيسيف، وتقول إن الأعداد الحقيقية أكبر من المعلن بكثير، لأن العراق يفتقد إلى عمليات إحصاء دقيقة في مختلف المجالات.

وتحذر النائبة العراقية في حديثها للجزيرة نت من عمليات اتجار بالأطفال تجري على قدم وساق في العراق، واستغلالهم من لدن عصابات ومليشيات مسلحة وزجهم في حروب عبثية أو عمليات إجرامية.

وتضيف شيخ دلير أنه لا يوجد في العراق قانون لحماية الطفل والأسرة، والحرب دمرت كل شيء، والدولة لن تقم بواجبها تجاه هذه الشريحة الكبيرة، وحتى مجلس النواب ما زال عاجزا عن تشريع قوانين تحميهم وتوفر لهم ملاجئ تمنحهم عيشا كريما.

وترى النائبة العراقية أن المبالغ التي تحصل عليها بعض أسرهم من وزارة العمل زهيدة ولا تؤمن حياة كريمة، مما ينذر بظهور جيل من هؤلاء الفقراء والمعدمين يمكن أن يكون أكثر فاقة وشعورا بالغبن الاجتماعي في السنوات القليلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة