أطفال التوحد بتونس.. المعاناة الغائبة عن عيون الدولة

عادل يرافق ابنه مؤيد بعد خروجه من المركز الخاص برعاية أطفال التوحد (الجزيرة)
عادل يرافق ابنه مؤيد بعد خروجه من المركز الخاص برعاية أطفال التوحد (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يرافق التونسي عادل كل يوم بسيارته ابنه مؤيد المصاب بالتوحد إلى مركز خاص لرعاية هذه الفئة من الأطفال في العاصمة تونس مع أن المركز أصبح مثار جدل جراء تسريب فيديو كشف تورط بعض مربياته في تعنيف أطفال وتسبب باعتقال بعضهن بتهمة التعذيب وسوء المعاملة.

ورغم حالة الغضب المسيطرة على بعض أولياء الأمور الذين رفضوا إعادة أبنائهم للمركز بعد مشاهدتهم مقاطع فيديو صادمة فإن عادل استبعد إمكانية تعرض ابنه البالغ ستة أعوام إلى اعتداءات قد تعكر وضعه النفسي، بل على العكس يبدو متفائلا جدا بالنتائج المتقدمة التي حققها صغيره في هذا المركز في ظل غياب مراكز تابعة للدولة ترعى هذه الفئة من الأطفال المرضى.

مضت ستة أشهر على التحاق مؤيد بهذا المركز الخاص بعدما رفضت قبوله روضات أطفال عادية بسبب سلوكه المضطرب وهيجانه، ورغم ذلك استطاع في وقت وجيز أن يتحسن في النطق والتواصل والاندماج مع الأطفال بفضل جهود مديرة المركز وبعض المربيات، وفق قول والده.

وقبل ثلاثة أعوام أصيب عادل بصدمة قلبت حياته رأسا على عقب بعدما اكتشف أن مؤيد مصاب بمرض التوحد وفاقد للكلام، حاول الرجل معالجة صغيره طارقا أبواب الأطباء، لكن "فئة منهم تجهل كيفية التعامل مع هذا المرض، في حين غابت الدولة عن مسؤوليتها في الاعتناء بأطفال التوحد".

نتائج مشجعة
وبينما لم يجد عادل المقيم في منطقة قلعة الأندلس بمحافظة أريانة المحاذية للعاصمة أي مركز حكومي مختص في رعاية أطفال التوحد تمكن بعد مرور وقت طويل في البحث من العثور على هذا المركز الخاص الذي "ساهم بأنشطته في تنمية قدراته بعدما كان يعاني مشكلة تأخر النطق".

وأعاد التحسن المسجل في حالة مؤيد بريق الأمل لوالده الذي يعمل تقني مختبر بمعهد ثانوي قرب مركز الرعاية المذكور، وسعيا لتوفير ظروف ملائمة لمعالجة ولده وتخفيف مشقة تنقله بالحافلات الحكومية لجأ عادل رغم راتبه البسيط إلى الاقتراض من بنك لشراء سيارة مستعملة تريح ابنه من وطأة التنقل.

ورغم معاناة مئات العائلات بسبب إصابة أبنائها بالتوحد وارتفاع مصاريف العناية بهم في مراكز خاصة -والتي ينشط الكثير منها بطريقة غير قانونية- لا يوجد برنامج وطني يعنى برعاية أطفال التوحد رغم توسع انتشار نطاق المرض بحسب مصدر من وزارة الصحة طلب عدم ذكر اسمه.

الشريف: الإجراءات الحكومية المتعلقة بالعناية بمرضى التوحد تكاد تكون منعدمة (الجزيرة)

تنصل حكومي
وفي ظل هذه المعطيات يرى رئيس جمعية حقوق الطفل معز الشريف أن هناك تنصلا من قبل الدولة في عدة ميادين متعلقة بالرعاية الصحية للأطفال، مؤكدا أن الإجراءات الحكومية المتعلقة بالعناية بمرضى التوحد "تكاد تكون منعدمة".

ومع غياب مراكز حكومية تخضع للرقابة البيداغوجية والصحية والنفسية، يضيف الشريف -وهو الطبيب المختص بجراحة الأطفال- أن الأولياء وجدوا أنفسهم مضطرين للتوجه إلى مراكز خاصة تعمل بطريقة عشوائية خارج القانون والرقابة وتوظف مربيات بلا مؤهلات علمية وبعضهن تورطن في سوء المعاملة بحق الأطفال.

ويعيب الشريف على الحكومة عدم توحيد جهود وزاراتها المعنية بالاهتمام بهذه الفئة المهمشة أو إنجاز قاعدة بيانات موحدة بشأنها، مستغربا من عدم وجود إحصاءات رسمية عن عدد المصابين بمرض التوحد في بلد طالما كان مشهودا له في القارة الأفريقية من حيث التقدم الطبي.

وبحسب رئيس الجمعية التونسية للنهوض بالصحة النفسية شمس الدين حمودة، فقد أنجزت في تونس آخر إحصائية عن التوحد سنة 2006، وتركزت الدراسة التي أنجزها المستشفى الجامعي في المنستير على مدينتي المنستير والقيروان (وسط) وكشفت أن هناك مصابا بالتوحد من كل مئة طفل.

 حمودة: المراكز الخاصة لرعاية الأطفال تحولت في غفلة من الحكومات إلى مصادر جشع وربح (الجزيرة)

معضلة التوحد
لكنه يقول إن بعض الدراسات العلمية الحديثة كشفت أن هناك طفلا يصاب بالتوحد من بين كل ستين طفلا، مبينا أن هناك أسباب عديدة تقف وراء انتشار المرض المتمثل في إصابة الأطفال صغار السن بمجموعة من الاضطرابات السلوكية المتعلقة بالتواصل الاجتماعي واللغوي في الدماغ.

ويرى حمودة أن معضلة إصابة الأطفال في سن مبكرة بمرض التوحد لم تثر اهتمام الدولة التونسية التي لم تقدم أي عناية لهم بسبب تنصلها من النفقات، مشيرا إلى أن المراكز الخاصة لرعاية الأطفال تحولت في غفلة من الحكومات إلى مصادر للربح والجشع على حساب مسألة إنسانية.

في المقابل، يقول المندوب العام للطفولة مهيار حمادي التابع لوزارة شؤون المرأة والأسرة والطفولة إن الوزارة مستعدة للتعهد بأطفال التوحد الذين تعرضوا إلى اعتداءات عن طريق توفير الإحاطة النفسية.

وبعد حادثة الاعتداء على أطفال التوحد بمركز خاص قرب العاصمة تونس واعتقال المربيات اللواتي تورطن في سوء المعاملة قررت الحكومة التونسية وضع مختصين في المجالين التربوي والنفسي لمتابعة الأطفال داخل هذا المركز حتى لا يتم غلقه.

المصدر : الجزيرة