في مطماطة التونسية.. يسكنون تحت الأرض

كل بيت من البيوت المحفورة تحت الأرض يضم قاعدة دائرية وعدة غرف (رويترز)
كل بيت من البيوت المحفورة تحت الأرض يضم قاعدة دائرية وعدة غرف (رويترز)

في بلدة مطماطة الجبلية بمحافظة قابس جنوب شرقي تونس، توجد نماذج فريدة من البيوت المحفورة تحت الأرض، وهي أشبه بالكهوف، وتعود إلى تراث المجتمعات الأمازيغية التي سكنت هناك، وما تزال عدة أسر تتشبث بها.

هذه البيوت التي تضم قاعدة دائرية وعدة غرف محفورة في الصخر تقي ساكنيها من شدة الحر في فصل الصيف ومن الرياح في فصل الشتاء، وهي تقع في منطقة تنتشر فيها أشجار النخيل وبساتين الزيتون على مسافة 365 كلم جنوب العاصمة التونسية.

وفي السنوات العشر الماضية، تسببت هجرة أهل الريف منه في تناقص أعداد من يعيشون في هذه البيوت، وتقول الأسر القليلة الباقية إنها متعلقة ببيوتها وبالأرض، ولا مجال أمامها للانتقال من المنطقة.

هذه البيوت تختلف اختلافا كبيرا عن غيرها، وإن كانت توجد إنشاءات مشابهة لها على الجانب الآخر من الحدود في ليبيا إلى الجنوب الغربي. وفي أنحاء أخرى من المنطقة توجد بيوت ومخازن منحوتة في الصخر فوق الأرض.

وقد رحلت أسر كثيرة عن البيوت الواقعة تحت الأرض عندما بنيت مدن وقرى جديدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في إطار حملة التحديث التي قادها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة. ويعتقد بعض السكان المحليين أن بورقيبة أراد خلخلة مجتمعات الأمازيغ سعيا لدمجهم في الدولة بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1956.

ومن العوامل التي ساهمت في النزوح عن الريف أيضا نزاعات على المواريث وفترات من الجفاف أو هطول الأمطار الغزيرة التي قد تتسبب في انهيار البيوت. وقد شيد البعض بيوتا حديثة على الأراضي المجاورة، واستخدموا البيوت التقليدية مثل إسطبلات أو ورش.

صالحة قالت إنها مرتاحة في بيتها (رويترز)

لا يتخلون عنها
بينما هجرت أسر كثيرة بيوتها المحفورة تحت الأرض لأسباب مختلفة، لا يبدو بعض من بقوا فيها مستعدين للتخلي عنها.

وتقول لطيفة بن يحيى (38 عاما) التي تعيش في كهف من خمس غرف في إحدى قرى مطماطة، إن والديها توفيا وتزوجت أخواتها فأصبحت وحيدة. وتضيف أن البيت سيضيع إذا رحلت عنه.

من جهتها، تقول صالحة محمدي (36 عاما) إن بعض التونسيين يأتون في أيام الإجازات أو العطلات لرؤية البيوت المحفورة تحت الأرض، وتؤكد أنها مرتاحة في بيتها الذي تعيش فيه مع زوجها وأبنائها الأربعة، وتسمح للسياح بزيارته مقابل بعض المال.

منجية تنسج بساطا في بيتها المحفور تحت الأرض (رويترز)

معركة إنقاذ
أما هادي علي كيال (65 عاما) فيملك متجرا صغيرا في إحدى قرى مطماطة، وهو من القلائل الباقين الذين يعرفون أساليب بناء هذه البيوت والحفاظ عليها، وكان آخر بيت جديد حفره في سبعينيات القرن الماضي.

أما الآن فهو يخوض معركة وحده لإنقاذ ما تبقى منها، ويقول إنه في كل مرة ينزل فيها المطر يأتي ويصلح ما تضرر في تلك البيوت التي لا يريد لها أن تختفي.

ويعتمد سكان مطماطة في معيشتهم على زراعة الزيتون والسياحة، وقد أصبحت البلدة وجهة منشودة بعد تحويل أحد كهوفها إلى فندق استُخدم في تصوير فيلم "حرب النجوم" خلال السبعينيات، لكن إقبال السياح على المنطقة تراجع مقارنة بما كان عليه قبل الثورة.

المصدر : رويترز