جحيم الغوطة الشرقية.. لا نريد الموت بصمت

عندما تمطر سماء الغوطة الشرقية موتا ودمارا (رويترز)
عندما تمطر سماء الغوطة الشرقية موتا ودمارا (رويترز)

سلافة جبور-دمشق

"في المعتقل، الزنزانة الجماعية، نرفع رؤوسنا وننظر للعالم من نافذة صغيرة.. السماء بعيدة وتصعب رؤيتها، محجوزة من كافة أنواع الطيران.. نشرتنا الجوية براميل وصواريخ وشظايا، وإن توفرت لنا وجبة طعام واحدة في اليوم فنحن من المحظوظين".

كلمات عفوية تكتبها باللهجة العامية نيفين الحوتري، وهي أم تعيش في غوطة دمشق الشرقية، وتحلم بأن يتوقف القصف لساعة واحدة فقط كي تتمكن هي وطفلاها من الخلود للنوم الذي تمنعهم عنه صواريخ النظام المنهمرة كالحمم البركانية على مدار الساعة.

كلما تمكنت من التقاط اتصال بشبكة الإنترنت من مخبئها بأحد الأقبية السكنية، تنشر الحوتري مقاطع من معاناة الآلاف من سكان الغوطة، الذين وجدوا أنفسهم -بعد حصار مستمر منذ سنوات- عرضة لحملة عسكرية غير مسبوقة بعنفها، يشنها النظام السوري والقوات الرديفة المقاتلة إلى جانبه منذ الاثنين الفائت.

ورغم أن هذه المنطقة الواقعة بريف دمشق الشرقي التي يقطنها زهاء 350 ألف مدني، تتعرض للقصف بشكل شبه يومي منذ خروجها عن سيطرة النظام السوري لصالح فصائل المعارضة عام 2012، إلا أن الأيام الأربعة الأخيرة كانت الأكثر ضراوة من خلال "حرب إبادة" قتل فيها المئات جراء قصف مستمر بأعتى أنواع الأسلحة التي تتغنى روسيا بتزويد النظام السوري بها "كجزء من حربها على الإرهاب في سوريا".

مئات القتلى سقطوا خلال الأيام الأربعة الماضية في الغوطة الشرقية جراء قصف قوات النظام (الجزيرة)

أيام من الجحيم
أيام يصفها أبو حاتم العويسي -وهو من سكان المنطقة- بأنها كالجحيم، ويؤكد في حديث للجزيرة نت أن ما تبثه وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع فيديو، ما هو إلا غيض من فيض مما تعيشه آلاف العائلات المنكوبة.. "العالم منذهل من هول الصور؟ الواقع يعادل عشرين ضعفاً ما ترونه على شاشاتكم"، يضيف والأسى يعتري صوته.

ويركز الرجل الثلاثيني بشكل خاص على معاناة العائلات في الأقبية التي يغص كل منها اليوم بالمئات ممن يفترشون الأرض والأتربة هرباً من الموت القادم إليهم من السماء.

"رغم أننا اعتدنا النزول إلى الأقبية بين فترة وأخرى، فإن هول القصف هذه المرة كان له وقع الصدمة.. أربعة أيام متواصلة في ملاجئ غير مجهزة بالشكل الكافي، كانت كفيلة بنفاد الطعام والشراب وأي من مقومات الحياة".

ووفق حديث العويسي، يستغل بعض الأهالي فترات الراحة بين موجات القصف التي لا تتجاوز نصف ساعة في أحسن الأحوال؛ للخروج بحثاً عن أي طعام متوافر في المحيط القريب، مما يعني مأساة أخرى لارتفاع المخاطرة بإصابات جديدة. لكن الآباء والأمهات لا يملكون حلاً آخر لإطعام أطفالهم، مع وجود جهود حثيثة من ناشطين وجمعيات لتوزيع أكبر قدر ممكن من الأغذية.

غير أن المشكلة لا تنتهي هنا، حيث يشير المتحدث إلى خروج معظم المطاحن والأفران عن الخدمة، "فحتى إن وجدت المواد الأولية، هناك عجز عن تحضير وتهيئة الطعام الكافي للجميع، وعلى رأسه الخبز. ومن جهة أخرى تدمرت كثير من مستودعات ومحال المواد الغذائية وطمر ما فيها تحت الركام، مما يمنع السكان أيضاً من الاستفادة منه، ويزيد من صعوبة تأمين الأغذية الشحيحة أساساً بسبب الحصار".

أمام أنظار العالم، جل مظاهر الحياة في الغوطة الشرقية تصاب بالشلل والسكان يتجرعون مرارة الموت الجماعي يوميا (رويترز)

حتى متى؟
أربعة أيام مرت حتى الساعة، والسكان متخوفون من أن تطول مدة المعاناة. تقول غالية -وهي سيدة أربعينية من بلدة بيت سوا- إن كل يوم يمر بهذه الحال على الغوطة يزيد من حجم الكارثة، فالأماكن الصالحة للاختباء تتناقص مع استهداف الملاجئ ووفاة العشرات تحت الأنقاض، والمراكز الحيوية وخاصة الطبية تخرج عن الخدمة واحداً تلو الآخر.

تستطرد السيدة في حديثها للجزيرة نت "يسألني ابني ذو الستة أعوام كل يوم: لماذا يفعلون بنا هذا؟ وأعجز عن إجابته ونحن مقيمون في ملجأ غير صالح للسكن منذ ثلاثة أيام.. فعلاً لا نعلم ما هو الهدف من هذه النار التي يصرون على أن تحرقنا جميعاً، ولا أرى سوى القتل والتدمير دون أي معنى أو هدف".

لا تعلم غالية ما المصير الذي سيحل بهم، فالترقب هو حال الجميع اليوم، خاصة مع تراجع وتيرة القصف بشكل ملحوظ منذ ليل أمس الأربعاء والحديث عن مفاوضات ووساطات عربية ودولية لعقد هدنة واتفاق وقف إطلاق نار. "تهجير أم موت أم تغييب؟ لم يعد هناك فرق.. نتمنى فقط أن يعلم الناس بحالنا وأن يسمعوا قصصنا، فإن متنا فلا نريد أن نموت بصمت".

المصدر : الجزيرة