استيراد مصر للغاز الإسرائيلي "خطب ود" أم ضرورة

إسرائيل ستصدر لمصر 64 مليار متر مكعب من الغاز بقيمة 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات (غيتي)
إسرائيل ستصدر لمصر 64 مليار متر مكعب من الغاز بقيمة 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات (غيتي)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

ما زالت أصداء إعلان توقيع اتفاقية لتصدير الغاز من إسرائيل إلى مصر تثير جدلا في الشارع المصري.

ففي الوقت الذي أبدى فيه مراقبون وخبراء تخوفاتهم من تداعياتها وآثارها السياسية والاقتصادية على مصر، اعتبرها مؤيدو النظام القائم "نقلة نوعية" تحقق مصالح واسعة للاقتصاد المصري.

وكانت شركة ديليك الإسرائيلية أعلنت الاثنين الماضي توقيع اتفاقية ملزمة لتصدير 64 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي إلى مصر، بقيمة 15 مليار دولار لمدة 10 سنوات.

ومنذ ذلك الحين، يتزايد الجدل حول الأهداف الحقيقية للصفقة، ومدى احتياج مصر إلى استيراد الغاز الإسرائيلي، خاصة في ظل تصريحات رسمية مصرية عن تحقيق الاكتفاء الذاتي نهاية العام الحالي، ووقف الاستيراد بحلول 2019، وكذلك ما أظهره الجانب الإسرائيلي من ابتهاج وترحيب لافت بالاتفاقية التي وصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بـ"التاريخية".

وشكك مراقبون فيما يبرر به مؤيدو الصفقة من كونها ستجعل من مصر مركزا إقليميا للغاز في الشرق الأوسط، ذاهبين إلى أن التكلفة السياسية لهذه الصفقة ستكون باهظة لا يمكن معها قبول أي مبررات اقتصادية مزعومة. وأن الصفقة تمت نتيجة ضغوط أميركية وإسرائيلية مورست على مصر لتوقيعها.

من جانبها، أصدرت وزارة البترول بيانا صحفيا قالت فيه إن مصر "ماضية في طريقها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي بنهاية العام الحالي، وتحقيق فائض من الغاز خلال عام 2019"، مضيفة أنها تسعى لتصبح مركزا إقليميا للطاقة ويشمل ذلك استقبال الغاز من دول في شرق البحر المتوسط، ومنها إسرائيل وقبرص اليونانية. 

عبد الله الأشعل يرى أن صفقة الغاز تعكس فسادا ممنهجا لدى النظام (الجزيرة)

فساد ممنهج
مساعد وزير الخارجية الأسبق وأستاذ القانون الدولي، عبد الله الأشعل يرى أن الصفقة لا ترتبط بحاجة مصر لهذا الغاز بقدر ما تعكسه من فساد ممنهج لدى السلطة ورجال الأعمال المرتبطين بها، وما تحققه من مصالح سياسية للنظام القائم من خلال ضمانها الدعم الإسرائيلي والدولي.

"خطب ود" الكيان المحتل ومحاولة استرضائه بشتى السبل والوسائل، هو في تقدير الأشعل -حسب حديثه للجزيرة نت- الغاية الحقيقية من عقد الصفقة، والتفسير الأمثل لما قد يراه البعض "لغزا كبيرا" بتحول مصر من دولة مصدرة للغاز إلى دولة مستوردة له.

وكانت مصر تصدر الغاز الطبيعي إلى إسرائيل منذ 2008، بموجب اتفاق مدته 20 عاما، وانهار في 2012 بعدما تعرض خط أنابيب الغاز لهجمات من مسلحين بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وذكرت وزارة البترول المصرية أن الحكومة لا دخل لها بالصفقة، إلا أن تصريحات مسؤولين بها رأت أن الصفقة ستحقق مكاسب تتمثل في إعادة تشغيل وحدات إسالة الغاز المصرية، وتسوية قضايا التحكيم الدولي، وتحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، والحصول على غاز طبيعي بأرخص الأسعار.

وقال وزير البترول الأسبق أسامة كمال إن استيراد الغاز الإسرائيلي أو القبرصي سيدخل الشبكة المصرية مباشرة بتكلفة قد تصل إلى 4 دولارات لمليون وحدة حرارية، بينما إذا استوردت من دول أخرى سيكون الغاز في صورة مسالة وبحاجة للتغيير والتكلفة قد تتجاوز 10 دولارات لمليون وحدة حرارية.

وهذا الادعاء فنده الأمين السابق للجنة الطاقة والصناعة بمجلس الشعب حاتم عزام، حيث أوضح أن تزويد محطات الإسالة المصرية عبر الاستيراد من إسرائيل لن يضيف أي عائد جديد لمصر، لأنه التزام سابق تعجز مصر عن الوفاء به، نتيجة عجز وزارة البترول عن القيام بالتزاماتها تجاه تزويدهما بالغاز منذ فترة.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن مصر عليها تعويضات بالمليارات لإسرائيل نتيجة عدم الوفاء باتفاقات تصدير الغاز لإسرائيل التي ورّط الرئيس المخلوع حسني مبارك مصر فيها، وهو ما ساعد إسرائيل على مساومة مصر عليه بعدم دفع التعويضات لها مقابل استيراد الغاز منها.

ممدوح الولي: تحقيق اكتفاء ذاتي من الغاز نهاية العام الجاري وهم يروج له النظام (الجزيرة)

ويلفت عزام في هذا السياق، إلى أن حقل "ليڤياثان" يقع في المنطقة الاقتصادية الخالصة للدولة المصرية، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي صادقت عليها مصر ولم توقع عليها إسرائيل، حيث لا تزيد المسافة بينه وبين السواحل المصرية عن 200 كيلومتر.

ومن ثم يعتبر أن هذه الصفقة تمثل شرعنة وإقرارا لسرقة واستحواذ إسرائيل على الغاز المصري، وتسهل تصديرها للغاز (المصري بالأساس) على أنه إسرائيلي، مُستخدِمة الدولة المصرية لتوفير تسهيلات لوجستية يوفر عليها وقت وتمويل بناء أنبوب تصدير سيتعذر تنفيذه بسهولة في منطقة صراع ملتهبة مثل الشرق الأوسط.

استهلاك محلي
ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن يوسي أبو، المدير التنفيذي لشركة ديليك دريلنغ، أنه يتوقع أن تستخدم مصر معظم الغاز الذي ستحصل عليه من خلال الصفقة في السوق المحلية، وأنها تمهد طريقا لمزيد من التعاون بين البلدين.

وهو الأمر الذي وافقه عليه الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، حيث يرى أن مصر تحتاج إلى أي غاز يتوفر لها، كون استهلاكها يفوق إنتاجها المحلي منه، رغم محاولتها الاستعاضة بمصادر أخرى للطاقة، كما أن التوسعات بالمحطات الحرارية لإنتاج الكهرباء تحتاج غازا إضافيا.

ويعتبر الولي -في حديثه للجزيرة نت- الحديث عن تحقيق اكتفاء ذاتي من الغاز نهاية العام الجاري "وهم" يروج له النظام، حيث يتعمد إخفاء حقيقية أن نصيب مصر من الغاز المنتج محليا لا يزيد عن 45%، والباقي حصة شركات أجنبية ستعيد مصر شراءه مرة أخرى.

ويرى أن إدخال القطاع الخاص هدفه امتصاص الغضب الشعبي من استيراد غاز إسرائيلي، لافتا إلى أن الابتهاج الإسرائيلي بالصفقة يشير بوضوح إلى تحقيقها نصرا بربط عجلة الصناعة والكهرباء المصرية بالغاز الإسرائيلي، مما يتيح لها التأثير على إنتاج الصناعات التي ستعتمد على الغاز الإسرائيلي.

ناجي الشهابي يرى أنه لا يمكن القبول بأي أسباب تبرر الموافقة على الصفقة (الجزيرة)

وأعلنت مصر مؤخرا وصول إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى 5.5 مليارات قدم مكعب في 2017، فيما تتوقع تجاوزه حاجز 6 مليارات قدم مكعبة قبل نهاية العام الجاري، بعد استقرار إنتاج حقل ظهر قبالة البحر المتوسط (شمال)، الذي يتراوح حاليًا بين 350 - 400 مليون قدم مكعب.

 ورغم تأييده للنظام الحالي، فإن رئيس حزب الجيل الديمقراطي ناجي الشهابي يرى أنه لا يمكن القبول بأي أسباب تبرر الموافقة على هذه الصفقة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية، وذلك لما تحققه من تطبيع غير مسبوق بين البلدين، كان المستقر سابقا رفضه رسميا وشعبيا.

ويرى في حديثه للجزيرة نت أن المسؤولية الكبرى في هذا السياق، تقع على القطاع الخاص الذي تجري هذه الصفقة من خلاله، لكن النظام يتحمل جانبا من المسؤولية بموافقته عليها وتسهيل إجرائها من خلال الموافقة على قانون يسمح بها.

المصدر : الجزيرة