رحيل أفيتار.. انتصار فلسطيني على المستوطنين

جانب من بؤرة أفيتار الاستيطانية قبل إزالتها (الجزيرة)
جانب من بؤرة أفيتار الاستيطانية قبل إزالتها (الجزيرة)
عاطف دغلس-نابلس

إلى ما كان عليه عاد جبل صبيح خاليا، وبدت أشجار الزيتون الروماني القديمة وحدها بالمكان شامخة والرياح تداعب أغصانها الكثيفة يمنة ويسرة، كأنها فرحت بزوال "غمامة سوداء" حطت فوقها لأيام في غسق الليل ورحلت كذلك.

لم يكن فجر اليوم الثلاثاء كسابقه من أيام عصيبة عاشها المواطنون في بلدة بيتا وقرى جنوب نابلس شمال الضفة الغربية، بعد أن أزال الاحتلال الإسرائيلي بؤرة استيطانية (أفيتار) شيدها مستوطنوه عنوة فوق أرض فلسطينية خاصة مطلع الشهر الجاري.

كما أنها ليست الحال التي كان عليها الحاج محمد خبيصة (أبو مصطفى) بعد إزالة البؤرة، أو الكابوس كما يسميه صباح اليوم، وبدا فرحا حين أخبرنا بذلك هاتفيا ليزول بذلك هم كان رديفه بالأمس، وهو يقودنا لأرضه حيث تجثم المستوطنة.

ومنذ أقيمت أفيتار لم يهدأ روع أهالي بيتا وتظاهروا غضبا واشتبكوا مع جنود الاحتلال، وأصيب العشرات منهم برصاصه، وأغلقت بلدتهم بالسُّتر الترابية، لكنهم لم يملوا النضال، مستخدمين طرقا قانونية وشعبية لطرد المستوطنين.

إخلاء
كالنار في الهشيم انتشر خبر رحيل المستوطنين عن القرية، فسارع أبو مصطفى يحدوه شعور "الانتصار" كالأهالي ليرى بعينه عملية "الإخلاء" التي رفضها المستوطنون وهاجموا المواطنين بأسلحتهم رغم تفكيك الجنود البؤرة الاستيطانية.

الحاج محمد خبيصة يشير إلى أرضه التي تجثم عليها البؤرة الاستيطانية وقد غمرته الفرحة بإزالة المستوطنة (الجزيرة)

الموقف نفسه عاشه أبو مصطفى قبل نحو عقدين، حينها هاجمته مجموعة من الجنود وحاولوا طرده من أرضه وادعوا أنها "منطقة عسكرية"، لكنه رفض، فاحتجزوه عدة ساعات قبل أن يأتيه أحد الضباط ويخبره بعربية مكسرة "أن أحدا لن يستطيع إخراجك من أرضك"، كما يروي الرجل.

لم يكن حينها أبو مصطفى يحتاج لشهادة الضابط الإسرائيلي لإقرار حقه في أرضه، لكن ذلك رسخ إيمانه المطلق بالذود عنها دوما ورفض مخططات الاحتلال ومستوطنيه للسيطرة عليها، تارة بجعلها مهبطا للطائرات المروحية وأخرى بتحويلها لنقطة عسكرية للجيش، وانتهاء ببناء "أول بؤرة" استيطانية كانت ستكون عليها.

وهو يشير إلى أرضه بعكازه الخشبي، كان الرجل يخبرنا بأن مشاريعه في إصلاح أرضه لم تتوقف أصلا لتبدأ اليوم، يذكر تماما زراعته ووالده أشجار الزيتون وبناء السلاسل الحجرية، ويقول إنه لن يتركها "بتاتا" حتى وإن كان الثمن حياته.

ومثل أبو مصطفى، همّ المسن وجيه أبو عايش بالذهاب لأرضه، لكن طارئا صحيا أقعده عن ذلك، في حين كان شبان البلدة يتسلقون الطرقات الوعرة والجبال للوصول لأرضهم "المحررة".

لا بيع
وينفي الحاج الثمانيني أبو عايش بيعه أو بيع أي من المواطنين "شبرا" من الأرض، وقال إن لديهم أوراقا رسمية تثبت ملكيتهم الخاصة لها.

لكن هذه الأوراق تحتاج لتثبيت في الدوائر الرسمية الفلسطينية (الطابو)، لا سيما أن الأرض المستهدفة يصنفها الاحتلال في مناطق (ج) الخاضعة لسيطرته العسكرية، وهو ما كان يمنع تسجيلها، إضافة إلى غياب الدعم المالي لعمل مشاريع استصلاح فيها.

ويعتقد الأهالي والكلام -لفؤاد معالي رئيس بلدية بيتا- بأن ملكيتهم الخاصة للأرض وعدم تسريب أي جزء منها قوّى شوكتهم وأضعف موقف المستوطنين الذين عادة ما يتذرعون بشرائهم الأرض.

الحاج وجيه نفى بيع أي شبر من الأرض للاحتلال (الجزيرة)

وستنصب الجهود الرسمية والأهلية -وفق معالي- على تسوية أراضي جبل صبيح قبل غيرها من أراضي القرية بما يعزز توسيع المخطط الهيكلي (مخطط البناء) وصولا لها، كما لجؤوا لمؤسسات داعمة لشق الطرق واستصلاح الأرض مباشرة "فخطر الاستيطان لم يزل قائما".

سلاح الأهالي
ويؤكد ذاك الخطر خبير الاستيطان الفلسطيني خليل التفكجي الذي كشف للجزيرة نت عن مخطط إسرائيلي يخيم على المكان برمته، رغم إخلاء البؤرة الاستيطانية، يتمثل في شق شارع التفافي، وبالتالي السيطرة على الأرض تلقائيا. وعد التفكجي "الملكية الخاصة" سلاحا بيد أصحاب الأرض لتثبيت حقهم و"فرصة أقوى" لصد المساعي الإسرائيلية لتهويدها.

بيد أنه حذر من استغلال الاحتلال للقانون الإنجليزي عام 1943، الذي يمكنه من مصادرة الأملاك الخاصة للصالح العام أو لمنطقة عسكرية مغلقة ولا يصادرها باعتبارها أملاك دولة، وأن هذا يتطلب من الأهالي جهدا مضاعفا شعبيا وقانونيا.

لهذا سيظل أبو مصطفى ومعه أهالي القرية يسابقون الزمن للعودة لأرضهم، مستغلين كل خطوة تقودهم لطريق الانتصار بالكامل، حتى وإن تطلب ذلك ضم أراضي المواطنين -لا سيما المغتربين- لأرضه ورعايتها.

المصدر : الجزيرة