مهنة المعلمين بتونس.. صراع مع الشقاء

جانب من احتجاجات المعلمين خلال إضراب أمام مبنى نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل (الجزيرة نت)
جانب من احتجاجات المعلمين خلال إضراب أمام مبنى نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

رغم محاولة طبيبها إجبارها على الراحة بعد انهيارها النفسي بسبب الاعتداء عليها لفظيا من أحد الأولياء، لم تنقطع معلمة التاريخ والجغرافيا آسيا كافي عن عملها بمدرستها في العاصمة تونس، في وقت تحذر فيه نقابات التعليم من تزايد الاعتداء على المدرسين وتدهور وضعياتهم.

قبل أسبوع، نقلت المدرسة للطبيب بعدما غابت عن الوعي بقاعة الأساتذة بمدرسة نهج لينين بالعاصمة تونس، حيث تعرضت للشتم أمام زملائها والتلاميذ من والدة تلميذة (14 عاما) تقول إنها "لا تحترم التوقيت وتهمل مراجعة دروسها وتستهتر بقواعد الهندام".

مضى أكثر من ثلاثة عقود على مسيرة آسيا المهنية بحلوها ومرها، ومع أنه لم يتبق سوى بضعة أعوام على بلوغها عمر التقاعد، باتت تخشى جديا على صحتها بسبب تراجع المستوى الأخلاقي بأوساط تلاميذ يعانون من تفكك أسري ولا يحترمون أساتذتهم ولا أي شيء.

تنفجر عيناها بكاء عندما تتذكر صراخ ولية أمر التلميذة بوجهها موجهة إليها نعوتا مسيئة في وقت أصابها الجمود، ثم تتمالك نفسها قليلا وتقول "كنت ضحية اعتداء لأني طلبت من التلميذة كي تتوجه للإدارة بعد محاولتها الدخول للقسم متأخرة فما كان من والدتها سوى إهانتي".

مرت عقود على زواج آسيا لكنها لم تنعم بإنجاب أطفال، ومع هذا تقول إنها تشعر بقلب الأم تجاه جميع تلاميذها "دون استثناء" وتؤكد أنها تسعى لتعليمهم وصقل شخصياتهم على أسس الهوية الإسلامية العربية المنفتحة على الحضارات بعيدا عن التفسخ الأخلاقي والتسيب.

معلمة التاريخ والجغرافيا آسيا كافي تعرضت للشتم والإهانة من قبل أحد الأولياء وسط المدرسة (الجزيرة نت)

انتشار الفوضى
لكن انحياز بعض الأولياء إلى أبنائهم دون وجه حق وتنصل بعض المعلمين من مسؤولياتهم وانتشار حالة من الفوضى عقب الثورة وتورط الإعلام بنشر أفكار منافية لهوية المجتمع المعتدلة، فاقم التسيب والانحلال الأخلاقي واستهلاك المخدرات بأوساط التلاميذ، كما تقول.

وتزداد وطأة مشقة تدريسها في هذا الوضع مع ظروف عيشها الصعبة، وهذه الحالة تنسحب على كثير من الوضعيات. والخميس الماضي، دخل مدرسو التعليم الثانوي في إضراب بيوم هو ليس سوى حلقة من سلسلة إضرابات تطالب بوقف الاعتداءات على المدرسين وتحسين ظروفهم واعتبار مهنتهم شاقة تستوجب التقاعد بسن 55.

وقبالة مبنى الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث يعتصم منذ أيام في العراء عدد من أصحاب الشهادات المضربين عن الطعام، رفع المعلمون شعارات منددة بسياسة الدولة تجاه التعليم في ظل تدهور البنية التحتية للمدارس.

حول هذا، يقول الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي لسعد اليعقوبي إن حادث وفاة تلميذتين حرقا مؤخرا بمبيت مدرسي بجهة تالة بمحافظة القصرين (وسط غرب) كشف الغطاء عن بؤس المؤسسات التربوية بسبب غياب الصيانة وتفشي الفساد بديوان الخدمات المدرسية.

ويضيف لـ الجزيرة نت أن المعلمين سيواصلون تحركاتهم الاحتجاجية للضغط على الحكومة من أجل تحسين البنية التحتية لمؤسسات التعليم المتردية، وتحسين الوضع المادي للمدرسين واعتبار مهنتهم شاقة تستوجب إحالتهم إلى التقاعد في سن 55 عاما بدلا من الستين.

الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي لسعد اليعقوبي (الجزيرة نت)

ارتفاع التوتر
وهذا المطلب لم يأت من فراغ -وفق اليعقوبي- الذي يؤكد للجزيرة نت أنه تم تسجيل أكثر من مئة حالة وفاة العام الماضي في صفوف المدرسين، بعضهم توفوا بقاعات الدرس بسبب ارتفاع الضغط والتوتر.

حول الاعتداءات، يؤكد اليعقوبي تسجيل عديد الحالات من الاعتداء بالعنف اللفظي والمادي بحق المدرسين من داخل المؤسسة وخارجها، مؤكدا أن الوضع التربوي العام بلغ درجة غير مقبولة من التسيب والإهمال تنذر بعواقب وخيمة على مستقبل المنظومة التعليمية.

وحتى برامج إصلاح منظومة التعليم، يقول اليعقوبي إنه "أكذوبة كبرى" تروجها وزارة التربية بسبب غياب البرامج وخفض موازنة التعليم، معتبرا أن هناك نية للتخلي عن مسؤولية الدولة في قطاع التعليم العام بناء على توجيهات صندوق النقد.

وبينما تدرس نقابة التعليم الثانوي إمكانية التصعيد بحجب أعداد الامتحانات عن التلاميذ والأولياء للضغط على الحكومة، قال وزير التربية محمد بن سالم إن هذا الإجراء "غير قانوني" وسيدخل ارتباكا في عملية تقييم مستوى التلاميذ وسيؤثر على مردودهم الدراسي.

وحول المطالب المادية للمدرسين، قال بن سالم مؤخرا خلال جلسة استماع بالبرلمان إن عديد المطالب المهنية تعجيزية ولا علاقة لها بصلاحيات الوزارة، لكنه شدد على ضرورة مواصلة التفاوض مع نقابة التعليم الثانوي للتوصل لاتفاق يحمي مصالح جميع الأطراف.

المصدر : الجزيرة