غزة.. حياة في العتمة

أيمن الجرجاوي-غزة

تراقب والدة الرضيعة حنان الخيسي بألم طفلتها التي تتعالى صرخاتها في أرجاء غرفة صغيرة بمشفى للأطفال بمدينة غزة، وتحاول بين الفينة والأخرى تثبيت جهاز الأكسجين على أنف صغيرتها لعل ذلك يخفف آلامها.

ومنذ أربعة أيام، ترقد رضيعة الأشهر الثمانية في مشفى "الدُرّة" دون تحسُّن حالتها؛ فهي تعاني من ارتفاع الحرارة والتهاب في الرئتين، ويقف الأطباء عاجزين بعد تعذر تشغيل جهاز قياس كمية الأوكسجين في الدم ومُنظّم المحاليل؛ بسبب نفاد وقود المشفى نتيجة طول أمد انقطاع الكهرباء.

ويكتفي الأطباء بمتابعة حالة الطفلة المستسلمة للمرض عبر ميزان الحرارة، ووضع كمامة استنشاق الأكسجين على فترات متقاربة، كما تستمد الدفء من حرارة الشمس الخجولة التي تدخل الغرفة عبر نافذتها الصغيرة بعد تعذر تشغيل أجهزة التدفئة بسبب أزمة الكهرباء.

"لا أرى ابنتي في الليل إلا عبر ضوء الهاتف المحمول، حتى أن بطاريته نفدت الليلة الماضية ولم أرها، لا توجد رعاية بسبب انقطاع الكهرباء، وابنتي أصبحت لا تقبل الرضاعة، وتصرخ طيلة الوقت"، تقول أنسام الخيسي والدة الطفلة للجزيرة نت.

‪مستشفى الشهيد محمد الدرة للأطفال تعطلت خدماته منذ أيام بسبب نفاد الوقود‬ (الجزيرة)

وتسبب غياب الرعاية الصحية بانتكاسة في حالتها، ويقول مشرف التمريض بالمشفى عماد جبر إن الرضيعة أصبحت تعتمد على الأكسجين، وأضاف للجزيرة نت "لكننا لا نستطيع قياس كميته ومدى احتياج جسمها له لعدم توفر الكهرباء باستمرار".

عجز كهربائي كارثي
نقص التيار الكهربائي بغزة وصل إلى مستوى غير مسبوق بعد توقف المحطة الوحيدة بالقطاع بالتزامن مع تعطل خطوط الكهرباء المصرية المغذية لجنوبي القطاع، ويقول مدير العلاقات العامة والإعلام بشركة توزيع الكهرباء محمد ثابت إن غزة باتت تحصل على 120 ميغاواطا عبر الخطوط الإسرائيلية، من أصل خمسمئة ميغاواط تحتاجها.

ولا توفر هذه الكمية إلا أربع ساعات للكهرباء مقابل 16 ساعة قطع يوميا، ويقول ثابت للجزيرة نت إن هناك صعوبات في توفير حلول أو مصادر دائمة للكهرباء مع ضعف الجباية واستمرار الانقسام السياسي.

لا شيء في مشفى الأطفال بغزة يمكن أن يرشدك إلى قسم العناية المركزة إلا لافتة عُلّقت على بابه، فلا صوت لأجهزة الرعاية الفائقة، ولا أثر لأي مريض أو مرافق. والخوف على حياة المرضى بالمشفى اضطر المسؤولين لنقل نزلائه وأجهزته إلى مشفى آخر مخصص لمرضى المنطقة الغربية بغزة، وهما المشفيان المخصصان للأطفال بالمدينة.

ومنذ أكثر من أسبوعين لا تتوفر الكهرباء في مشفى الدُرّة- الذي يُعالج نحو ثمانين ألف طفل سنويًا في شرقي غزة- إلا لنحو أربع ساعات يوميًا، وهي الفترة التي تستطيع شركة الكهرباء إمداده بها. وبالإضافة إلى أزمة الكهرباء ترزح المستشفيات تحت وطأة نقص الأدوية وإضراب شركات النظافة والأغذية لعدم صرف مستحقاتها.

المخاطرة بالأرواح
وفي الوقت الذي تسعى فيه المشافي لتوفير تمويل من جهات مانحة لتشغيل مولدات كهرباء، لا يجد الفقراء مهربا من المخاطرة بحياتهم من أجل إنارة عتمتهم.

‪أسرة أحمد المصري تحضر طعامها على ضوء الشموع‬ (الجزيرة)

ورغم أن إشعال الشموع تسبب بكوارث أزهقت أرواح أكثر من ثلاثين فلسطينيا بغزة في سنوات الحصار، فإن العامل أحمد المصري لا زال يستخدمها لإنارة منزله ليلًا رغم إدراكه بمخاطرها.

وتزيد أزمة الكهرباء منغصات حياة المصري وأبنائه الستة، في ظل ضيق الحال ومرارة العيش في بيت متواضع مبني من الصفيح وطبقات الإسمنت الجاهز لا تتجاوز مساحته 45 مترا في مخيم "الشابورة" للاجئين في رفح.

ويقول الأربعيني للجزيرة نت "تصلنا الكهرباء ثلاث ساعات يوميا، وهي لا تكفي لتجهيز الخبز ولا تسخين المياه أو غسيل الملابس، فنضطر لاستخدام غاز الطهي، وهو ما يزيد التكلفة المادية".

وبينما يتحدث الرجل يحاول أطفاله إنجاز واجباتهم المدرسية بصعوبة على ضوء الشموع، كما تتحسس زوجته أغراض مطبخها لتحضير وجبة متواضعة من العشاء.

وتستهلك الأسرة الفقيرة أكثر من دولار يوميا لشراء الشموع، وهي تكلفة باهظة بالنسبة لعامل قد لا يعود بثلاثة دولارات في نهاية يومه.

انقلاب الليل والنهار
ولا تترك الأزمة قطاعا إلا أصابته في مقتل، لا سيما بعد توقف محطة التوليد الوحيدة منتصف ليلة الأربعاء الماضي بسبب نقص الوقود المورد عبر مصر، وإن كانت الأزمة تهدد الأرواح فإنها تسبب في الوقت نفسه قلقا لدى الفلسطينيين وخسائر اقتصادية.

وعلى غير ما درجت العادة، يخرج فني النجارة طارق الصباغ هذه الأيام من منزله مرتديا أثقل الثياب لديه في الثانية بعد منتصف الليل لممارسة مهنته التي تعتمد بشكل أساسي على الكهرباء.

الخروج في حلكة ليل قارس البرد قد يكون بلا فائدة في حال لم يصل التيار الكهربائي في موعده كما يحدث أحيانا بسبب الأزمة، وهو ما يترك حسرة في نفس الصباغ (37 عاما) على ضياع ساعاته دون جدوى.

وبالنسبة إلى فني النجارة فهو مستعد لتحدي ظروف العمل ومنغصاته لتوفير قوت أسرته، مع ازدياد نسبة البطالة في غزة إلى نحو 44% في ظل حصار إسرائيلي مستمر منذ أكثر من 11 عاما.

ولا يهم الصباغ كثيرا إن قلبت الأزمة ليله إلى نهار، لكن ما يؤرقه كثيرا تأخره في تسليم بعض طلبات زبائنه على قلتها؛ فإنجاز غرفة نوم قد يأخذ شهرا بعدما كان لا يحتاج أسبوعا، وهذا ما يُكبده خسائر ليست قليلة في ظل نفقات تشغيلية عالية، كما يقول للجزيرة نت.

ولا يشعر هذا الفني باستقرار أسري في ظل عدم امتلاكه زمام وقته، إذ يمكن أن يخرج إلى العمل في أي وقت يصل فيه التيار إلى ورشته، أو يتوفر من مصدر خارجي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نشرت شبكة قدس الإعلامية تسجيلا مصورا عبر منصات التواصل الاجتماعي، نقلت فيه الأوضاع “الكارثية” التي تعيشها مستشفيات قطاع غزة، بعد إضراب عمال النظافة فيها عن العمل وتكدس النفايات.

يجلس الخمسيني فضل الديري وحوله أطفاله يلهون بخيمة صغيرة مصنوعة من الأغطية المهترئة واللوحات الإعلانية، بساحة عامة وسط غزة، بعد أيام من مغادرته منزلا لعدم قدرته على تسديد الإيجار.

وسط الأوضاع الآخذة في التدهور بغزة، بات الزواج بالنسبة لكثير من الشباب أمرا بعيد المنال، وربما أصبح ضربا من الخيال على قول أحدهم. فالبطالة وظروف العيش القاسية سدت أمامهم الآفاق.

رغم ظروف الحصار القاسية وشح الإمكانيات، تجلى أطفال غزة بفكرهم وإبداعهم وفنهم، وكان شاهدا على ذلك المعرض التقني الفني “أطياف فنية وعلمية” الذي أقيم في غزة ونال استحسان وإعجاب الحضور.

المزيد من اجتماعي
الأكثر قراءة