نشر الفرنسية بتونس.. انفتاح أم استعمار؟

سليم وابنته خديجة أثناء خروجهما من المركز المتخصص في تعليم الفرنسية (الجزيرة نت)
سليم وابنته خديجة أثناء خروجهما من المركز المتخصص في تعليم الفرنسية (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

بعد أيام على تدشينه من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، توجه سليم المصمودي مع ابنته الصغيرة خديجة لمقر الجمعية التونسية الفرنسية للتبادل الثقافي في المنزه السادس، أحد الأحياء الراقية بالعاصمة تونس، لإلحاقها بهذا المركز المتخصص في تعليم الفرنسية.
 
هذا الفضاء الذي وقع إحياؤه بعد سبعة عقود ببادرة من السفارة الفرنسية بتونس ومستثمرين تونسيين يتيح تعليم اللغة الفرنسية للتلاميذ بداية من ست سنوات وحتى سن الكهولة. ورغم ذلك نجحت خديجة ذات الأعوام الخمسة في الترسيم بهذا الفضاء بفضل إتقانها بعض أساسيات الفرنسية.

غمرت الفرحة وجه أبيها الأستاذ الجامعي بعلم النفس بعد نجاح ابنته في الاختبار، فهو يرى أن "تعلم الفرنسية من المصدر على قواعد صحيحة يشكل مدخلا أساسيا للانفتاح على الثقافات الأخرى ووسيلة لمتابعة الدراسة بإحدى الكليات بالخارج أو النفاذ إلى سوق العمل".

رغم تمسكه بالحفاظ على اللغة العربية والهوية العربية الإسلامية بثقافة المجتمع، يشدد سليم -الذي يتقن اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية- على أهمية تدريس طفلته اللغة الفرنسية، وهي اللغة الأجنبية الأولى في تونس، وتعتمد كلغة أساسية في مختلف مراحل التعليم.

عند التقائه في المنزل بابنته وزوجته، وهي مديرة إحدى رياض الأطفال القريبة من مقر الجمعية التونسية الفرنسية للتبادل الثقافي والمعروفة باسم "ألياس الفرنسية"، يلجأ سليم في كثير من الأحيان للتحدث بلغة موليار "الساحرة" ويرافق ابنته في مطالعة قصص الأطفال بالفرنسية يوميا.

مديرة المركز مريم تستقبل خديجة ووالدها (الجزيرة نت)

ترسيخ الفرنكفونية
بعد اطلاعهما على جدول الأوقات ومحتوى الدراسة من قبل مديرة مركز "ألياس الفرنسية"، يعود سليم وخديجة للبيت، في حين تواصل المديرة الشابة مريم عبد الملك ترتيب بعض الكتب بعناية بالمكتبة المثقلة رفوفها بأكثر من ثلاثة آلاف عنوان فرنسي.

تسعى مريم لأن يكون كل شيء على ما يرام داخل هذا الفضاء، فهي تنتظر بشغف استقبال عشرات التلاميذ الراغبين في تعلم الفرنسية السبت المقبل، موعد انطلاق نشاط هذا المركز الذي دشنه الرئيس الفرنسي أول فبراير/شباط الجاري خلال زيارته لتونس.

ورغم أن مركز "ألياس الفرنسية" الخاص يقدم دروسا بمقابل يتراوح بين 130 دينارا (50 دولارا) لدورة تستمر 20 ساعة و350 دينارا (160 دولارا) لدورة تستمر 70 ساعة، فإن مريم عبد الملك تؤكد أن المركز ليس لديه أهداف ربحية وأن عائداته تضخ من جديد لتطوير أنشطته.

وتقول إن الهدف الوحيد من إحداث المركز هو ترسيخ اللغة والثقافة الفرنسيتين، مشيرة إلى أنه سيُفتح العام الجاري خمسة مراكز جديدة في مدن جربة والقيروان وقابس وقفصة وبنزرت للاقتراب أكثر من المناطق الداخلية لنشر الفرنسية.

ومثل هذه الخطوات لتعزيز الفرنكوفونية يعتبرها حسن الزرقوني مدير إحدى مؤسسات سبر الآراء "أمرا إيجابيا" فهو يرى أن مستوى تمكن الشباب من اللغات الفرنسية والإنجليزية وحتى العربية الفصحى "ليس بالقدر الكافي الذي يؤهلهم للحياة المهنية أو اقتحام الأسواق الخارجية".

ويقول "إما أن نعتبر أنفسنا بلدا عربيا مسلما ونعتبر الفرنسية لغة استعمارية لأسباب ثقافية أو ديماغوجية أو أن نعتبر أنفسنا بلدا عربيا مسلما منفتحا على الثقافات ويسعى لتعزيز قدرات شبابه للانفتاح على أسواق العمل، لاسيما في أفريقيا حيث يتحدث 300 مليون شخص الفرنسية".

العيادي: الهدف من ترسيخ الفرنكفونية في تونس محاولة لفرض استعمار لغوي (الجزيرة نت)

خوف إيديولوجي
من جهته، يرى وزير الثقافة السابق مهدي مبروك أن تعلم اللغات لا يضر بالهوية العربية الإسلامية التي لا تقف فقط على اللغة. ويُعتبر هذا الأستاذ الجامعي من الجيل التونسي الذي نهل تعليمه اعتمادا على اللغة الفرنسية، ومع ذلك يقول "لا أعتقد أننا أقل عروبة من الجيل الحالي".

وذكّر بأن كثير من الوطنيين، على غرار المفكر التونسي الراحل عبد العزيز الثعالبي الذي كان يؤمن بفكرة إحياء الأمة العربية بروح الإسلام، كانت لديه كتابات بالفرنسية. أما اليوم فيرى أن "آلاف الأصفار التي تمنح سنويا في الامتحانات دليل على عدم حذق التلاميذ للغات".

ويعتقد حسين الجزيري النائب عن حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية أن هناك خوفا إيديولوجيا مبالغا فيه من تعليم الفرنسية بتونس، مبينا أن هناك مليون تونسي يقيمون بفرنسا ويحظون بمدارس تعلم العربية والثقافة الإسلامية "وبالتالي علينا أن نقبل بتعليم اللغة الفرنسية وثقافتها".

والجزيري هو حاليا رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية تونس فرنسا داخل البرلمان التونسي، لكنه قبل الثورة كان مهاجرا منفيا بفرنسا بسبب معارضته للنظام السابق. وبحكم تجربته في الغربة يؤكد أن موازين القوى الحالية تميل لفائدة اللغة العربية المنتشرة بكثافة في فرنسا.

لكن المعارض السياسي عبد الرؤوف العيادي يختلف معه، فهو يرى أن ترسيخ الفرنكوفونية في تونس محاولة فرنسية مستمرة منذ استقلال تونس عن فرنسا عام 1956 لفرض "استعمار لغوي لضرب الهوية العربية الإسلامية ونشر القيم الفرنسية".

ويقول "لم تجد بعد اللغة العربية مكانتها في التعليم منذ الاستقلال رغم أنه من المفروض أن تدرس العلوم بالعربية في حين ظل الوضع القانوني للغة الفرنسية يعتبرها لغة غير أجنبية"، مضيفا أن محاولات التعريب التي انطلقت منذ السبعينيات باءت بالفشل بسبب "الإملاءات الفرنسية".

المصدر : الجزيرة