هل تصبح الشوارع ملاذ فئة المستأجرين بغزة؟

هذه الخيمة اضطر الديري للجوء اليها بعد طرده من مسكنه لعدم تمكنه من دفع الإيجار (الجزيرة)
هذه الخيمة اضطر الديري للجوء اليها بعد طرده من مسكنه لعدم تمكنه من دفع الإيجار (الجزيرة)

أحمد عبد العال-غزة

يجلس فضل الديري وحوله أطفاله يلهون في خيمة صغيرة مصنوعة من الأغطية المهترئة واللوحات الإعلانية، في ساحة عامة وسط غزة، بعد أيام من مغادرته منزلا كان يستأجره لعدم قدرته على تسديد الإيجار.

وفي أركان الخيمة القماشية التي باتت كل ما يملك الخمسيني الفلسطيني، تتوزع بعشوائية فرشات إسفنجية ووسائد، وصرة ملابس وبعض الأغطية القديمة.

ومنذ خمسة أيام، لا تذكر إلا بأيام نكبة عام 1948، باتت الخيمة المأوى الوحيد لعائلة الديري المكونة من 11 فردا، بعدما تراكمت الديون عليها وفقد معيلها الأمل في قدرته على دفع إيجار المنزل.

الديري يقف أمام خيمته وسط مدينة غزة 

فقر وأمراض
وإضافة إلى الفقر تجتمع على معيل العائلة الغزية أمراض السكري والضغط وضعف السمع والنظر قبل أن يستقر بهم الحال في تلك الخيمة.

وبعدما انتشرت صور العائلة على مواقع التواصل، حاول البعض المساعدة بتوفير إيجار منزل لهم ينتشلهم من قسوة برد ليل الشتاء، إلا أن رب الأسرة رفض متمنيا أن يحصل على مسكن ثابت حتى لا تجدد معاناته لاحقا عند انقطاع المساعدات ويضطر للعودة إلى الخيمة.

وبينما يحمل ابنه الصغير في حضنه، يقول الديري للجزيرة نت "طردت أكثر من مرة لعدم قدرتي على دفع الإيجار ولا أرغب في تكرار هذه التجربة المريرة مرة أخرى".

وأضاف الخمسيني الفلسطيني: كل ما أريده مسكن ثابت أو حتى كرفان مصنوع من الصفيح.. لم أعد أحتمل المزيد من الذل والمعاناة والطرد من الايجار.

وانقطع حديث الأب بصراخه على طفله الصغير الذي كاد أن يعبر الشارع المزدحم بالسيارات، قبل أن يكمل بالقول "هذه هي حياتنا، طوال النهار أنادي على الأطفال وأخشى أن تدهس سيارة أحدا منهم أو أن يضيع أحدهم ليلاً".

الخيمة التي استقرت بها الأسرة بعد 12 عاما من التنقل بين شقق الإيجار 

دون مأوى
معاناة عائلة الديري لم تكن وليدة اللحظة، فقد انتشرت في الآونة الأخيرة عشرات قصص العائلات التي تطرد من مساكنها المؤجرة وتلوذ بالشوارع والساحات والحدائق العامة للمكوث فيها لعدم قدرتها على دفع الإيجار.

ومع انتشار أي من هذه القصص والصور المؤلمة لهذه العائلات على مواقع التواصل، تسارع بعض الجهات الخيرية والمبادرات الشبابية للعمل على حل المعضلة جزئيا باستئجار شقة أو منزل للعائلة، لكن سرعان ما تنتهي مدة الايجار لتعود المعاناة مرة أخرى.

ووفق التوزيع النسبي للأسر في فلسطين طبقا لحيازة المسكن لعام 2016، الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن 7.1% من سكان قطاع غزة يسكنون في شقق بالإيجار، بينما يسكن قرابة 20.9% في شقق دون مقابل (أي بمسكن العائلة). ويتراوح أجرة الشقة ما بين 150 و300 دولار أميركي).

عائلة الشاب محمد رضوان قضت بضع أيام بليالهن في البرد القارس في شوارع مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، لكن سرعان ما تمكنت مبادرة "سامح تؤجر" الشبابية من انتشالها وتوفير إيجار شقة لمدة عام كامل، وفق الناطق باسم المبادرة وائل أبو محسن.

‪لم تجد العائلة‬ سقفا تحتمي به من قساوة الطقس 

مبادرات خيرية
ولم تتوقف الاتصالات على هذه المبادرة وغيرها من المؤسسات الخيرية لتراكم المستحقات على الأسر المستأجرة، لكن بسبب انتشار الظاهرة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع بات من الصعب تطويقها.

ويرى أبو محسن -في حديثه للجزيرة نت- أن استجار شقة للعائلة المطرودة لمدة عام حل مؤقت إلا أنه غير مجدٍ لأن العائلة سرعان ما تعود مرة أخرى للتشرد.

ويعزو وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان بغزة ناجي سرحان تفاقم معاناة الأسر التي تعيش في منازل مستأجرة إلى الوضع الاقتصادي الصعب والإجراءات العقابية على غزة والتي شملت عدم صرف رواتب كاملة لموظفي السلطة الفلسطينية، وكذلك عدم تلقي موظفي غزة رواتب منتظمة منذ ثلاث سنوات.

ويضيف ناجي سرحان: ولا تتوفر الإمكانيات والموازنات لدى الوزارة بغزة للسيطرة على هذه الظاهرة، فجزء كبير من الفلسطينيين يعيشون بمنازل مستأجرة.

وكخيار مؤقت -يقول سرحان للجزيرة نت- توفر وزارة الإسكان بعض "الكرفانات" لعدد قليل من العائلات، لكن هذا الأمر محدود.

وفي ظل هذه الخيارات المؤقتة والمحدودة وتفاقم الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة يوما بعد يوم، يخشى فلسطينيو غزة أن تتحول شوارع مدينتهم المحاصرة إلى مأوى وحيد للمئات من العائلات المقيمة في منازل مستأجرة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قرّر القطاع الخاص الفلسطيني وقف إجراءات التنسيق لإدخال كافة أنواع البضائع لقطاع غزة عبر معبر كرم أبو سالم التجاري، وذلك يومي الأربعاء والخميس المقبلين احتجاجا على تردّي الأوضاع الاقتصادية.

يسيطر الهم والحزن على أم ياسين وهي تنظر لرضيعتها آلاء الممدة كجثة هامدة على سرير بمستشفى محمد الدرة شرقي مدينة غزة، بعدما ساءت حالتها الصحية في ظل انقطاع الكهرباء.

قفز الطفل الغزي أحمد الغر من مقعده فرحا لحركات بهلوانية يؤديها مهرج شاب تقمص دور طفل يتلعثم ببعض الكلمات، على أنغام موسيقى زادت من حماسة أحمد ورفاقه ممن علت ضحكاتهم.

نقلت صحيفة “ميديابار” الفرنسية عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين تحذيرهم من أن قطاع غزة “على حافة الانهيار التام” بسبب تدهور الأوضاع الصحية والاجتماعية والاقتصادية، بعد عشر سنوات من الحصار.

المزيد من أزمات وقضايا
الأكثر قراءة