المساواة بالميراث في تونس.. إلغاء للتمييز أم ورقة سياسية؟

تونسية تحمل صورة للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (رويترز)
تونسية تحمل صورة للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (رويترز)

خميس بن بريك-تونس

يواجه مشروع قانون المساواة في الميراث المحال على أنظار مجلس نواب الشعب التونسي الأسبوع الماضي، معارضة من بعض الأحزاب والمنظمات الرافضة لما تعتبره خرقا لأحكام الإسلام والدستور، بينما وجد ترحيبا من أطراف أخرى.

وأحالت رئاسة الجمهورية، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، مشروع القانون إلى البرلمان للنظر فيه، وذلك بعد أسبوع من التصديق عليه في مجلس وزاري ترأسه الرئيس الباجي قايد السبسي صاحب المبادرة التشريعية.

ويتعلق مشروع قانون المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة بإتمام الكتاب التاسع من مجلة الأحوال الشخصية المنظمة بجزء منها لأحكام الميراث وذلك بإضافة باب سابع مكرر تحت عنوان "أحكام تتعلق بالتساوي بالميراث".

ويتوقع مراقبون مع بدء النظر في هذا المشروع بعد المصادقة على موازنة الدولة للعام المقبل، أن تشهد البلاد حالة من الاحتقان في ظل الانقسام الذي أحدثه داخل المجتمع بين صف يرى فيه فتنة كبرى وآخر يعتبره تتويجا للمرأة.

احتقان منتظر
وحاليا لا يشهد الشارع التونسي أية احتجاجات ميدانية على طرح هذا القانون الذي سيحدث تغييرا جذريا في أحكام مجلة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1956 بفترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي اعتمد التشريع الإسلامي بأحكامها.

لكن انقساما واضحا ظهر في تعليقات مواطنين على صفحة رئاسة الجمهورية تفاعلا مع مشروع القانون، حيث اعتبر البعض أنه لا يمكن تأويل آيات الميراث، لأن دلالاتها قطعية ولا تقبل الاجتهاد، في حين اعتبر آخرون أن الاجتهاد ليس كفرا.

لكن الجدل لم يهدأ لا سيما بالأوساط الدينية، حيث هددت التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة، بتصعيد الاحتجاج وفق الأطر القانونية ضد ما تعتبرها مخالفة صريحة للقرآن وأحكام الدستور.

يقول رئيس التنسيقية جمال الدين تليش إن مبادرة الرئيس التونسي ستحدث انقساما داخل المجتمع، مبينا أن نظام الميراث في النص القرآني عدل في توزيع المواريث بين الورثاء وأن تحريفه سيشيع الفتنة بداخل العائلة.

امرأة تونسية مع ابنتها في العاصمة تونس (رويترز)

وبحديثه للجزيرة نت، تساءل تليش عن سبب رفض الرئيس التونسي اختبار مبادرته عن طريق استفتاء شعبي لتشريك المجتمع بهذه "المسألة الحساسة"، متابعا "إنه على يقين أن أغلبية الشعب التونسي رافضة لهذه المبادرة لأنها مدخل لتكريس العلمانية".

ويؤكد أن إشادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمبادرة السبسي بشأن طرحه مشروع قانون المساواة بالميراث لدى استقباله مؤخرا بـفرنسا دليل على انعدام القرار السيادي لـتونس وخضوعها لإملاءات علمانية تسعى لإشاعة "الشذوذ".

رفض النهضة
وعلى المستوى السياسي، حسمت حركة النهضة صاحبة الكتلة النيابية الأولى بالبرلمان (68 من أصل 217 مقعد) موقفها برفض مبادرة الرئيس التونسي. هذه الحركة ذات الجذور الإسلامية ترى أن مشروع القانون مخالف لتعاليم الإسلام.

ويقول النائب عنها بالبرلمان محمد بن سالم للجزيرة نت إن السبسي لم يتوقف منذ اعتلائه كرسي الرئاسة سنة 2014 عن محاولة طرح مبادرات تثير تقسيم الشعب التونسي على غرار قانون الميراث أو قانون المصالحة مع رجال أعمال فاسدين.

ولا يتفق مع ما يقوله أنصار السبسي بأن قانون المساواة بالميراث نابع من الدستور، بل على العكس تماما يرى أنه غير دستوري، لأنه خالف توطئة الدستور التي تنص على احترام تعاليم الإسلام ومخالف للفصل الأول حول دين الدولة.

وكان السبسي أعلن طرح مبادرته بشأن المساواة بالميراث انطلاقا من الفصل الثاني للدستور الذي ينص على أن "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلوية القانون" وهو فصل غير قابل للتعديل.

لكن بن سالم يقول إن الحديث عن دولة مدنية لا يعني أنه ليس لها مرجعية دينية، مشيرا إلى أنه جرى التغافل عن الفصل الأول الذي ينص على أن "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها".

بيد أن بشرى بالحاج حميدة النائبة ورئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة -التي مهدت الأرضية لصياغة مشروع قانون المساواة في الميراث- تقول إن الدستور الجديد لسنة 2014 نص على المساواة بين الرجل والمرأة.

حقوق المرأة
وتضيف للجزيرة نت "نحن اليوم نطالب بتطبيق الدستور ومدنية الدولة لا أكثر ولا أقل"، مشيرة إلى أن الدستور يكرس مبدأ المساواة ويلغي كل أشكال التمييز التي لا تزال مستمرة في المجتمع التونسي مع استمرار انتهاك حقوق النساء بالميراث.

ويتعين حصول مبادرة الرئيس على الأغلبية المطلقة من الأصوات (109 أصوات) لكن حميدة تبدو متفائلة بتمريره بالنظر إلى موافقة عديد الأحزاب بالبرلمان بحركة نداء تونس (51) و(الائتلاف الوطني (40) والجبهة الشعبية (15) ومستقلون.

من جهتها، تقول رئيسة الاتحاد التونسي للمرأة راضية الجريبي إن مشروع قانون المساواة في الميراث نابع من عمق الدستور، مشيرة إلى أنه يتماشى مع إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة ويكرس حقوقها المدنية ويحميها.

وتقول إن الفصل 46 من الدستور ينص على التزام الدولة بحماية مكتسبات المرأة وتطويرها وضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في جميع الحالات إلى جانب اتخاذها كل التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضدها.

وترى أن هضم حقوق جزء من التونسيات فيما يتعلق بالميراث يعد نوعا من العنف والاستغلال الاقتصادي ضد المرأة، مذكرة أن القانون الأساسي المصادق عليه في 26 يونيو/حزيران 2017 يجرم كل أشكال التمييز والعنف ضد النساء.

ويتوقع مراقبون أن يحتدم الجدل بشأن مشروع القانون مع انطلاق مناقشته بالبرلمان، مؤكدين أن البلاد ستشهد أجواء ساخنة خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات نهاية العام المقبل في وقت عادت فيه التجاذبات لمربعها الأول.

المصدر : الجزيرة