كفيفة قطرية تنتج أفلاما قصيرة

خلود تتابع عملها في كتابة النصوص والترجمة بطريقة برايل (الجزيرة نت)
خلود تتابع عملها في كتابة النصوص والترجمة بطريقة برايل (الجزيرة نت)

جلال بسيوني-الدوحة

أتمت المشهد الأول من فيلمها الذي تمثل فيه لأول مرة في حياتها فتفاجأت بالجميع داخل المطعم يصفق لها على أدائها وهم في حيرة هل هي كفيفة أم مبصرة؟

ما دلهم على الحقيقة إلا العصا البيضاء التي كانت تتحرك بها داخل المطعم، هنا أدرك الجميع أنها كفيفة وبدأت تتغير طريقة معاملتهم لها، وهو ما ترفضه خلود حمد أبو شريدة التي اعتادت الظلام منذ ولادتها وترفض أن يعاملها الناس بطريقة خاصة لأنها كفيفة.

بعد 12 ساعة تصوير بدأ الجوع يلم بفريق العمل، وكانت خلود أول من اختارت وجبتها قبل الجميع لأنها اعتمدت على طريقة برايل التي يضعها المطعم ضمن قوائم الطعام، وأثبتت لطاقم التصوير أنها حتما قادرة على اختيار طعامها بنفسها.

حرصت على أن تكون رسالتها في أول أفلامها الابتعاد عن معاملة الكفيف على أنه إنسان غير طبيعي، ووجوب معاملته على أنه إنسان يحتاج ما يحتاجه المبصر تماما، وتتساءل خلود: هل يمكن للشخص المبصر طلب وجبة من مطعم بدون قائمة طعام؟ كذلك الكفيف، ولكن نريدها بلغة برايل.

أفلام للمكفوفين
فكرت خلود في طرح مبادرة بعنوان "حتما قادر"، وهي عبارة عن سلسلة أفلام قصيرة أنتج منها حتى الآن ستة أفلام من تأليفها وتمثيلها، تعكس صورة غير نمطية عن حياتها اليومية كإنسانة فقدت بصرها وأخت لأربعة أشقاء مكفوفين.

مشهد من أفلام خلود في حملة "حتما قادر" (الجزيرة نت)

فخلود التي لم تر الألوان من قبل تستطيع أن تتلمس الذوق في اختيارها للألوان ومدى تناسقها، ومن خلال لمسات يدها تختار التصميمات لملابسها وتتابع صيحات الموضة العالمية وطبيعة المكياج الذي يناسب كل بشرة وتنصح أخواتها وزميلاتها في العمل باختيار أنواع تساعدهن على إظهار جمالهن.

في إحدى المرات وقفت زميلاتها مشدوهات عندما سألت إحدى الفتيات عن مركز لبيع أغراض الأطفال فلم يستطعن وصف المكان، لكن خلود وصفت الطريق وصفا دقيقا أذهل الجميع.

لذلك جاءت مبادرتها "حتما قادر" للتعريف بقدرات المكفوفين، فترجمت المواقف الحياتية التي مرت بها لأفلام يشاهدها الكفيف والمبصر ليعرف كيف يتعامل كل منهم مع الآخر.

والأفلام الجديدة تعدها رسالة بصبغة عالمية تشاهدها على شبكات التواصل الاجتماعي بسهولة ويسر، وقد حرصت في إنتاج هذه الأفلام على أن تمتاز بتقنية الوصف السمعي الذي يعين الكفيف على مشاهدتها من خلال الأذن.

بدأت خلود كتابة سيناريوهات الأفلام بنفسها باللغة الإنجليزية والعربية خلال مايو/أيار 2018، وبدأت التصوير في آخر يونيو/حزيران بعد انتهائها من مناقشة رسالة الماجستير.

خلود وفريق عمل "حتما قادر" أثناء حفل تدشين الأفلام (الجزيرة نت)

تفرغت الفتاة لهذا المشروع الذي حرمها من الإجازة السنوية أو السفر خارج البلاد، فقضت الصيف كله رغم حرارة الأجواء في تصوير وإنتاج الأفلام التي دشنت في حفل كبير خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي بحضور ممثلين عن الأمم المتحدة وسفراء من دول العالم.

تتحدث خلود عن أحب الأفلام إلى نفسها وهو ذاك الذي يصور قدرتها على مشاهدة الأفلام السينمائية التي تحبها كثيرا، وكانت تحتاج إلى صديقة تصف لها المشاهد الصامتة مما شجعها على كتابة رواية جديدة لأدب الأطفال تحمل اسم "الأميرة الكفيفة"، ولجأت فيه إلى تقنية الوصف السمعي للمشاهد الصامتة حتى يستمتع بها الكفيف بدون مساعدة أحد، وترغب في تحويله إلى فيلم من أفلام الرسوم المتحركة تنتجه شركة والت ديزني الأميركية. 

التعليم نور
تسعى خلود التي حصلت على بكالوريوس اللغة الإنجليزية والاتصال الجماهيري من جامعة قطر ثم الماجستير في الترجمة من جامعة حمد بن خليفة، للحصول على الدكتوراه في مجال الكتابة الإبداعية في أدب الأطفال.

يوجد بقطر 400 كفيف (الجزيرة نت )

اتخذت خلود من التعليم، الذي لا يفرق بين الكفيف والمبصر، منهاجا في حياتها لتتخطى كل الصعاب التي تقابلها في حياتها، وكان تميزها في التعليم رغم إعاقتها سببا في تفردها فيما يمكن أن يُطلق عليه "الترجمة الوصفية" التي يستطيع من خلالها المترجم أن ينقل وصف الصور والمناظر للمتعلمين المكفوفين، مما حدا بمعهد دراسات الترجمة بجامعة حمد بن خليفة أن يعيد التفكير في مناهج التدريس والتعليم لجعل الالتحاق بالمعهد متاحا لجميع الطلاب، فأصبحت خلود سفيرة المكفوفين لمبادرة "قطر ميسرة للجميع".

وفي خطوة غير مسبوقة عالميا، وبالتزامن مع احتفال العالم باليوم العالمي لذوي الإعاقة في الثالث من ديسمبر/كانون الأول كل عام، اختارت اللجنة العليا للمشاريع والإرث بدولة قطر (المسؤولة عن مشاريع مونديال قطر 2022) وبالتعاون مع مركز قطر الاجتماعي والثقافي للمكفوفين 22 متطوعا من المكفوفين للمونديال لتدريبهم على معرفة مرافق البنية التحتية بالدولة، وطرق الوصول إلى الملاعب والأماكن الترفيهية، في خطوة تهدف إلى تشجيع جمهور المكفوفين من جميع دول العالم على حضور المونديال القادم.

وقد صرح رئيس الاتحاد العربي للمكفوفين خالد النعيمي بأن قطر بها 400 كفيف، كما يبلغ عدد المكفوفين في العالم العربي نحو 35 مليونا، في المقابل أعلنت منظمة الصحة العالمية في دراسة لها صدرت عام 2016 حول وضع المعاقين عالميا ذكرت أن عدد المعاقين في العالم بلغ 900 مليون، فيهم 45 مليون كفيف، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى 75 مليونا بحلول عام 2020 ونسبة 90% منهم بالعالم النامي.

المصدر : الجزيرة