كاريز.. هكذا روضوا الجغرافيا في إيران

جدول مياه منبثق من "كاريز" مدينة يزد (الجزيرة)
جدول مياه منبثق من "كاريز" مدينة يزد (الجزيرة)

الجزيرة نت-خاص

يسميها أهل الصحراء في إيران "كاريز"، بإمكان السائح ولوجها عبر سلالم تحملهم إلى أعماق الأرض لاكتشاف هذا العمل البشري الضارب في القدم، وتأمُل إبداع الإنسان الصحراوي في تقويم الجغرافيا وترويضها.

كاريز هي القناة أو "القنات"، كما تكتب في إيران، وتسمى أيضا "فقارة" (الفجّارة)، وهي نظام يستخدم لنقل المياه الجوفية إلى سطح الأرض لاستعمالها في الشرب والري وسقي المواشي.

تتكون القناة من أجزاء متكاملة، إذ تعتمد كل واحدة منها على الأخرى. وتوجد البئر الأم (عمودي) في أعلى منطقة من أجل الوصول إلى منبع المياه، ثم تضاف سلسلة من الآبار تسمى آبار الخدمة.

ينبثق من البئر الأم نفق موجه أفقيا بشكل انحداري إلى الأماكن الزراعية والقرى التحتية، وينتهي إلى سطح الأرض، ويمثل مخرجا للمياه.

في الاتجاه نفسه، توجد آبار الخدمة كل 20 إلى 200 متر تقريبا بهدف خروج أي أتربة منها وتوفير متنفس هوائي للنفق، وأيضا لأن القناة تحتاج ترميما إن حدثت أي مشكلة.

يقول أستاذ التاريخ سلمان محمدي لوكالة أنباء فارس الإيرانية، إن الإيرانيين هم أول من استخدموا القنوات في المناطق الصحراوية الجافّة في العالم، استنادا لما ذُكر في كتاب "أوستا" الزرادشتية وكتاب "شاهنامه" الفردوسي.

وفيما بعد، انتشرت هذه المنظومة في مناطق متعددة عبر العالم بداية من الصين والهند وأفغانستان، وصولا إلى تونس والجزائر ومصر وليبيا.

يوجد في إيران الآلاف من "الكاريز" تتراوح أعمارها بين 200 و2500 سنة، حسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو).

وذكر موقع اليونيسكو استنادا لوزارة الطاقة الإيرانية، أنه يوجد حوالي 36 ألف بئر لمنظومة كل القنوات في إيران، معدل طول كل نفق هو ستة كيلومترات، ومعدل طول مجموع آبار لكل قناة هو 4 كيلومترات.

وقالت اليونيسكو إن طول مجموع الآبار والأنفاق معا يساوي نحو عشرة أضعاف طول الخط الاستوائي والمسافة بين الأرض والقمر.

وتتميز هذه المنظومة السقوية بأنها اقتصادية، إذ لا تتطلب آليات معينة لخروج المياه الجوفية ونقلها من أماكن بعيدة. ويؤدي الانحدار من البئر الرئيسية العالية إلى مخرج النفق السفلي إلى خروج المياه وتسربها إلى سطح الأرض وجريانها طيلة اليوم.

يقول أستاذ التعليم العالي بجامعة أدرار البروفيسور أحمد جعفري إن الصحراويين يفكرون في امتلاك حصصهم من الماء قبل الحصول على ملكيتهم من الأرض.

ويبرر ذلك في حديثه للإذاعة الجزائرية بأهمية الماء في تلك المناطق، رغم وجود نظام خاص لعملية التوزيع وكيْل المياه بين المزارعين وفق معايير حسابية دقيقة، بعد تعاون الجميع أثناء عمليات الحفر والصيانة.

وتختلف القنوات في إيران عن باقي القنوات في الدول المجاورة. فأطول قناة في العالم هي قناة "زارغ" في مدينة "يزد" والتي يبلغ طولها أفقيا 80 كيلومترا (تمر بمدن مختلفة) ويصل عمق البئر الرئيسية فيها إلى 90 مترا.

وتعد هذه القناة ألفي بئر خدمة وثمانين مخرجا تتراوح أعمارها بين 200 و3000 سنة تجري مياهها حتى الآن، حسب تصريح كبير مستشاري المركز الدولي للمواد المائية والتركيبات المائية علي أصغر سمسار يزدي لوكالة أنباء "إيسنا".

أما قناة "وزوان" بمدينة "ميمه" في أصفهان (وسط) فيبلغ عمرها 1600 سنة. وقد حفر النفق فيها داخل الأحجار، وفيها سد تحت الأرض تُجمع المياه فيه شتاء لتستخدم في الربيع والصيف، حسب موقع اليونيسكو في إيران.

كما ذكر المصدر نفسه أنه في مدينة "أردستان" بأصفهان توجد قناة تحتوي على نفقين بعمق 30 و27 مترا لا يتداخلان مع بعضهما مطلقا.

أما قناة "قصبه غناباد" في خراسان (شمال شرق) فهي القناة التي تمتلك أعمق بئر رئيسية تصل إلى 300 متر وطولها 33 كيلومترا، عمرها حوالي 2500 سنة، وتحتوي على 408 آبار خدمة، إضافة إلى المطاحن المائية الموجودة فيها.

إضافة إلى "كاريز"، يختزل رجل الصحراء في إيران الحياة في كلمتين أخريين هما قنوت وقناعة. القنوت دلالة على صلته مع الخالق، والقناعة تشكيلا لملامح سلوكه، أما القناة فتبقى ذلك التجسيد العجيب لطريقة عيشه وحياته وتكيفه الخارق مع بيئته.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: