في الجامعات المصرية.. انتخابات طلابية منزوعة الدسم

في الجامعات المصرية.. انتخابات طلابية منزوعة الدسم

صورة التقطها الأحد الماضي أحد طلاب جامعة الأزهر -فرع القاهرة- حيث لا أثر للدعاية الانتخابية
صورة التقطها الأحد الماضي أحد طلاب جامعة الأزهر -فرع القاهرة- حيث لا أثر للدعاية الانتخابية

محمد السهيلي-القاهرة

صمت تام يسيطر على الجامعات المصرية التي كانت مفعمة بالنشاط السياسي والثقافي على مدار تاريخها، حيث غاب صوت الطلاب عن مجمل الأحداث المحلية والإقليمية، وسط تشديد أمني وقرارات بحظر العمل السياسي والحزبي والأنشطة الدينية داخل الحرم الجامعي.

في ظل هذا الواقع، فُتِح قبل أيام باب الترشح استعدادا لانتخابات الاتحادات الطلابية في الجامعات المصرية، وذلك وسط رقابة أمنية وغياب لطلاب التيار الإسلامي والمعارضة بمختلف أطيافها للعام الثاني على التوالي.

وتعد هذه الانتخابات -التي تشهدها 27 جامعة حكومية- الثالثة على التوالي، إثر منعها بعد آخر انتخابات جامعية تمت في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي عام 2012.

استمرت الاتحادات الطلابية مجمدة حتى أول انتخابات في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2016، وأسفرت عن فوز تيار من القيادات الطلابية المعارضة والداعمة لاستقلال الجامعات وغير المحسوبة على "التيار الإسلامي".

ودفع ذلك وزير التعليم العالي السابق أشرف الشيحي لإعلان تجميد "اتحاد طلاب مصر" لأسباب وصفها الطلاب الفائزون بأنها "سياسية بحتة"، فيما برر الوزير القرار بوجود خطأ في الإجراءات وعدم قانونية الاتحاد.

فيما شهدت انتخابات العام الماضي عزوفا من الطلاب، سواء عن الترشح أو الانتخاب، في مشهد أثار السخرية ووصفته صحيفة "اليوم السابع" المقربة من النظام بقولها "لم ينجح أحد"، وهو ما برره وزير التعليم الحالي خالد عبد الغفار بأن "جماعة الإخوان المسلمين" كانت وراء عزوف الطلاب.

طلاب جامعة بني سويف بصعيد مصر حيث تغيب أيضا أجواء الانتخابات الطلابية 

منزوعة الدسم
تاريخ الانتخابات الطلابية الساخنة في مصر يمتد إلى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وقد أفرزت قيادات كثيرة قادت المعارضة المصرية فيما بعد، مثل المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي زعيم التيار الشعبي، والمرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية؛ إلا أن النظام الحالي جعل الانتخابات الطلابية "منزوعة الدسم" بسبب عدم مشاركة طلاب المعارضة أو المستقلين.

ويظهر ذلك في تصريحات المسؤولين التي تناقلتها وسائل الإعلام المحلية، حيث أكد مستشار وزير التعليم العالي طايع عبد اللطيف أن الوزارة "تحظر الدعاية السياسية والحزبية بالانتخابات الطلابية بشكل نهائي".

فيما أوضح أمين جامعة عين شمس محمد الديب أن "الجامعة تجري فحصا أمنيا شاملا لكل مرشح لانتخابات الطلاب بالتنسيق مع الأمن"، مضيفا أنه "لا مكان للتيارات السياسية بالحرم الجامعي منعا لتسلل التيارات المعادية".

هذا ما جعل مشهد الانتخابات الحالية مقاربا للعام الماضي، حيث كشفت وزارة التعليم العالي أن 28,571 طالبا وطالبة ترشحوا هذا العام للانتخابات الطلابية في جميع الجامعات والمعاهد، مقابل 25,614 في 2017.

ويبلغ عدد الطلاب في الجامعات الحكومية والأزهر أكثر من مليوني طالب، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

أحد طلاب جامعة الأزهر يقول إن الجامعات صورة مصغرة لمصر، حيث لا مجال لأي معارضة سياسية في ظل السلطة المحلية

صورة مصغرة
وحول أسباب العزوف الطلابي، أكد طالب رفض ذكر اسمه في الفرقة الثالثة بجامعة الأزهر، أن الانتخابات الجامعية لم تعد تعني إلا فئة معينة من الطلاب يرضى عنهم النظام، ولا يقدر غيرهم على الترشح، ولو ترشح هو فسيكون عرضة لرقابة الأمن والتنكيل به.

وتوقع -في حديثه للجزيرة نت- ضعف الإقبال على غرار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، قائلا إن الجامعات صورة مصغرة لمصر.

أما الطالبة "ج. م" بالفرقة الرابعة بجامعة الزقازيق (شمال القاهرة)، فأكدت أنها كانت تحلم بالترشح لاتحاد طلاب كليتها ثم جامعتها، لكن ما حدث لها من تنكيل جعل الإحباط يسيطر عليها وعلى كثير من زملائها.

وقالت للجزيرة نت "كنت بجامعة الأزهر عام 2014، وسحبت أوراق ترشحي للانتخابات، وبعد ضغوط أمنية تنازلت، حيث تم اتهامي من قبل منافستي بأنني من الإخوان المسلمين، وظلت التهمة عالقة بي حتى رسبت ذلك العام فقررت ترك الأزهر وعدم الحديث مرة أخرى بالسياسة أو الترشح للانتخابات".

من جانبها قللت طالبة في الفرقة الرابعة بجامعة بني سويف (جنوب القاهرة) -رفضت أيضا نشر اسمها- من دور الاتحادات الطلابية، موضحة أنها وزملاءها ليست لديهم أنشطة سوى الرحلات والندوات الأدبية والمسرحيات الداعمة للشرطة وصندوق "تحيا مصر".

وقالت للجزيرة نت إنه لا وجود الآن لطلاب التيار الإسلامي أو طلاب المعارضة اليسارية والعلمانية أو الاشتراكيين الثوريين، وأضافت أن أعضاء الاتحاد الحالي ليس لهم انتماء فكري، متوقعة أن يستمر هذا الوضع حيث لم يعد هناك أي معارضة بين الطلاب.

قوة من الشرطة قبالة جامعة الأزهر بالقاهرة أثناء مواجهات مع الطلبة عام 2014 (رويترز)

هل هي نهاية العمل الطلابي؟
في إجابته عن هذا التساؤل، قال الناشط السياسي محمد نبيل عضو حركة "شباب 6 أبريل" إن "تشديد النظام الأمني بالجامعات وإصراره على قمع تيارات المعارضة وتغييبها عمدا، يدل على عدم وجود أمل".

لكنه قال للجزيرة نت إن "النظام يعلم جيدا أن الثورة حية وتيارات المعارضة مؤثرة، ولذلك فهو حريص على منع إجراء أية انتخابات ديمقراطية"، مضيفا "ولأنه يعلم أن هناك معارضة وأن الحراك الثوري لم يمت فلن يسمح بأية انتخابات بلا تضييق".

وحول مشاركة طلاب حركة "شباب 6 أبريل"، أكد نبيل أن طلاب الحركة لم يشاركوا، موضحا أنه بغض النظر عن السبب الأمني، "فلن نشارك في أية انتخابات دون ضمانات حقيقية تضمن نزاهتها".

صورة كاذبة
ويرى الحقوقي علاء عبد المنصف مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان أن "المتابع للحياة السياسية والطلابية في السنوات الخمس السابقة يعلم حجم التدخل والتضييق والتحكم الأمني من النظام وأجهزته بالمنظومة التعليمية والطلابية، من تعيين أساتذة الجامعات واتحادات الطلاب ولوائحها".

وأكد عبد المنصف للجزيرة نت أن هذا الوضع يعد تدخلا أمنيا سافرا، وتعديا على مكتسبات ثورة يناير 2011، ومنعا لتشكيل الاتحادات الطلابية بطرق ديمقراطية قانونية، قائلا إن الأمن يُشكل اتحادات الطلاب ليصدرها النظام إلى العالم بوصفها اتحادات حرة.

وتأسف الناشط الحقوقي على ما آلت إليه الحركة الطلابية، بقوله إن "المنظومة الأمنية دمرت تطلعات الطلاب وجهد حركاتهم لعشرات السنوات السابقة".

المصدر : الجزيرة