مدارس التحدي.. بارقة أمل لأطفال البدو في الضفة

عاطف دغلس-الأغوار الشمالية

على غير عادتهم، لم يستيقظ الأشقاء ساري ورغد وأسيل وشهد تركمان مع أذان الفجر، ولم يودعوا والديهم على أمل لقائهم بعد أسبوع، حال العودة من مدرستهم بمدينة جنين شمال الضفة الغربية.

منذ شهرين لم يعد هذا الروتين قائما لدى الأطفال، بعدما افتتحت وزارة التعليم الفلسطينية مدرسة "التحدي 10" في قريتهم "بزيق" في الأغوار الشمالية، مما خفف معاناة السفر إلى مدارس البلدات المجاورة أو مدرسة المدينة واضطرارهم للمبيت لدى جدتهم هناك.

مدرسة "بزيق" أحيت الأمل لدى أكثر من عشرين طالبا (الجزيرة)

 

السادسة والنصف صباحا، دقت ساعة المنبه في جوال تركي تركمان والد الأطفال الأربعة، فاستفاقوا وارتدوا ملابسهم وانتظروا خارج خيمتهم -والفرحة تغمرهم- مركبة خصصتها الوزارة لتقلهم إلى مدرستهم، هذه المرة لن يطول غيابهم وسيعودون إلى حضن والديهم.

يقول ساري -الشقيق الأكبر- إنهم بعد افتتاح مدرسة "التحدي 10" لم يعودوا يقطعون مسافات طويلة مشيا على الأقدام للوصول إلى مدرستهم السابقة، كما وفّروا أكثر من عشرين دولارا يتكبدها والدهم ثمنا لتنقلاتهم اليومية، "فالطريق صعبة وموحشة".

بفضل إنشائها، أحيت مدرسة "بزيق" الأمل لدى أكثر من عشرين طالبا منها ومن قرية "سلحب" المجاورة، والأمل ذاته بات يحدو العشرات مثلهم ينتظرون بلهفة العام القادم للالتحاق بها، بعدما انحصرت خياراتهم في المعاناة وتحمل مشقة التنقل والسفر أو الحرمان من التعليم.

مبنى مدرسة "بزيق" (الجزيرة)

تبرع بمنزله
وبدعوى أنها منطقة أثرية ودون إخطار مسبق، هاجم جنود إسرائيليون مدججون بالأسلحة -وبرفقتهم جرافات عسكرية- مدرسة "بزيق" قبل أيام قليلة، وشرعوا في اقتلاع اثنين من "الكرافانات" المبنية بالصفيح أضيفا ليكونا ملاحق للمدرسة.

لا حول ولا قوة أمام الطلبة وهم يتابعون مصير مدرستهم وهي تهدم، وبعزيمة انفضوا يكملون بقية يومهم الدراسي في غرف حجرية هي المبنى الأصيل للمدرسة ويعود عمره لأكثر من مئة عام تبرع به صاحبه لهذا الغرض.

في المكان كان تركي يطالع بحرقة عملية الهدم، وما إن غادر الجنود حتى بادر بالتبرع بخيمته الخاصة (منزله) لتحل مكان المنشآت المهدومة، لكن المدرسة كانت قد استعدت جيدا وأوجدت خياما بديلة.

شعارات داعمة لصمود المدرسة بوجه الاحتلال (الجزيرة)

ويقول الرجل -الذي لاحقه الاحتلال مرتين وهدم مسكنه- إنه لا يريد لأطفاله المعاناة ثانية أو التشرد كأطفال صديق له حرم أبناؤه الستة من مواصلة تعليمهم لغياب المدرسة، أو صديق آخر فقد نجله بفعل قنبلة من مخلفات جنود الاحتلال الذين يتدربون في المكان بينما كان يرعى أغنامه".

رفضا للتهجير
وشيدت السلطة الفلسطينية حتى الآن 13 مدرسة في الأماكن النائية والواقعة بمناطق "سي" التي تشكل 62% من مساحة الضفة الغربية وتسيطر عليها إسرائيل.

وتأتي هذه المدارس لدعم صمود المواطنين وتثبيتهم في أرضهم منعا لمصادرتها، ضمن مخطط إسرائيلي يهدف إلى تهجيرهم ويختلق الذرائع لذلك، لا سيما مخالفة البناء والمناطق العسكرية.

مدارس التحدي أنشئت لمنع تشرد أطفال البدو بسبب بعد مساكنهم عن البدو (الجزيرة)

يقف مدير مدرسة "بزيق" فراس دراغمة على بعد أمتار من مكان الهدم وهو يشير بيده نحوه، ويقول إنهم عازمون على التصدي لمساعي الاحتلال لتهجير السكان وحرمان الأطفال، "ولذلك شيدنا خيمة من النايلون المقوى لتدريس الطلبة".

يعي دراغمة جيدا -وهو ابن المنطقة الغورية- مآلات الاحتلال من ملاحقة مدارس التحدي وتشريد تلاميذها، ولهذا جعلوها قريبة من تجمعات السكان البدو ووفروا مركبة لنقل الطلاب، وهو ما قلل من هواجس الأهالي الذين تشجعوا وسارعوا إلى تسجيل أبنائهم.

وفي المدرسة المعلقة فوق أعلى قمة جبلية في "بزيق"، بدا إصرار المعلمين أكبر، خاصة لدى روان الغوانمة التي تدرس اللغة العربية رغم أنها تحمل شهادة الدكتوراه في القياس والتقويم.

 ساري تركمان وشقيقاته الثلاث وجدوا أملهم في مدرسة "التحدي" (الجزيرة)

تثبيت بالأرض
كان صوت روان يصدح بالمكان وهي تقرأ على مسامع الأطفال شعر محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" ليردد صداه صوت الأطفال وهم يعيدون قراءة النص مشكلا بحركاته الإعرابية.

ظهرت روان (28 عاما) في كامل عنفوانها وحماسها وهي تدرس الأطفال، وهي لا تأبه لتكلُّفها عشر دولارات يوميا وقطعها 25 كلم لبلوغ المدرسة، أو حتى لانقطاع خدمات أساسية مثل الماء والكهرباء.

تقول إنها وجدت ضالتها في التعليم بمثل هذه المناطق، خاصة أن هؤلاء الأطفال "المبدعون" رغم ظروفهم الحياتية الصعبة يستحقون التضحية.

 الأطفال بدوا نشطين وفرحين بالعودة إلى مدرستهم بعد هدم جزء منها (الجزيرة)

25 تجمعا
وتخدم مدارس "التحدي" حسب الناطق باسم وزارة التربية والتعليم صادق الخضور أكثر من 25 تجمعا سكانيا من البدو والمناطق النائية والمحاذية للمستوطنات.

ويقول إنهم رغم تعرض جُل مدارس "التحدي" لهدم جزئي أو كلي، يطمحون إلى بلوغ نحو ثمانين تجمعا تنتشر في الضفة الغربية، كما يهدفون إلى زيادة الصفوف الدراسية لافتتاح مرحلة التعليم الثانوي بهذه المدارس وعدم اقتصارها على الصفوف الأساسية، ويؤكد أن ذلك "قلَّل من تسرب الطلبة بشكل كبير".

قبل أن يغادر جنود الاحتلال مدرسة "بزيق"، سلموا إدارتها إخطارات جديدة لهدم أسوار خارجية تحيط بها، فكان الرد مباشرة بخطّ شعارات فوق تلك الأسوار بأن "الرصاص في أقلامنا أقوى من الرصاص في بنادقهم".

المصدر : الجزيرة