خسائرها السنوية تضاهي إيراداتها النفطية.. هكذا تستنزف هجرة الأدمغة إيران

خسائرها السنوية تضاهي إيراداتها النفطية.. هكذا تستنزف هجرة الأدمغة إيران

مريم ميرزا خاني أثناء إحدى محاضراتها (تسنيم الإيرانية)
مريم ميرزا خاني أثناء إحدى محاضراتها (تسنيم الإيرانية)

الجزيرة نت-خاص

كانت عالمة الرياضيات الإيرانية مريم ميرزا خاني التي توفيت العام الماضي في ولاية كاليفورنيا الأميرکیة، أحدث الشخصيات الإيرانية البارزة التي جددت تسليط الضوء على ظاهرة هجرة الأدمغة إلى الخارج، وأثارت الجدل حول مخاطرها.

بالنسبة لإيران، لا يتوقف الأمر على خسارة مواطن ينتقل للإنتاج في دولة أخرى غربية كانت أو جارة إقليمية، فالأمر يتعداه إلى خسائر اقتصادية يقدرها الخبراء الإيرانيون بنحو 150 مليار دولار سنويا، هي حصيلة ما أنفق على هذه النخب وقيمة ما تنتجه في مجالها.

قائمة العقول الإيرانية النابغة طويلة، وكان ضمنها مريم ميرزا خاني التي حصلت على ميدالية "الفيلدز" العالمية عام 2014، التي تعادل جائزة نوبل في مجال الرياضيات.

ولدت مريم في طهران، وأكملت دراستها في جامعة "صنعتي شريف" في العاصمة الإيرانية، وحصلت منها على ماجستير في الرياضيات، ثم الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية، وصولا إلى عملها كأستاذة محاضرة في جامعة ستانفورد الأميركية.

ويعيش قرابة ستة ملايين مواطن إيراني خارج البلاد (نحو 7% من مجمل السكان)، وازدادت في السنوات الأخيرة تحت وطأة تردي الأوضاع الاقتصادية وضغط العقوبات الأميركية على إيران، حسبما نقلت وكالة تسنيم للأنباء عن  رئيس لجنة النخب في المجلس الأعلى للثورة الثقافية في إيران سيد مهدي سيدي عام 2016.

جامعة صنعتي شريف (إيلنا الإيرانية)

فرص تنمية
ويرجع الطبيب النفسي والبيولوجي داريوش فرهود -في مداخلة له بثت على موقع يوتيوب عام 2016- سبب هجرة الأدمغة؛ إلى أن "هذه النوعية من الناس تبحث عن الأماكن التي تعطيهم فرصا في التنمية والتطور، والحصول على الأمان الوظيفي والاجتماعي، وتمنحهم الشعور بتقدير الذات والحرص على الاستفادة منها".

ومن هذه الأدمغة المهاجرة يروي أستاذ علم الأحياء بجامعة طهران د. حسين آخاني في مقال له نشرته يومية "شرق" الإيرانية عام 2015، قصة شاب إيراني متميز علميا، فيقول "درّست في جامعة طهران 15 عاما، وحاولت بأقصى قدراتي أن أساعد شابا عالما في مجال علم الحشرات يدعى حسين رجائي لتوظيفه في الجامعة بعد استكمال دراسته في ألمانيا، محاولا ثنيه عن الخروج من البلد".

ويواصل حديثه "في يوم المقابلة عرض حسين على اللجنة مقترحاته، لكنها رفضتها، ووظفوا شخصا آخر في هذا المنصب.. عاد رجائي إلى ألمانيا ليصبح هناك مديرا لقسم البحوث في متحف التاريخ الطبيعي بجامعة شتوتغارت الألمانية، ويكتشف هناك فصيلتين جديدتين من الفراشات في العالم نالتا تقدير العلماء، وذلك بعد مضي أكثر من عشرين عاما عن كشف آخر فراشة".

فريدون درخشاني نموذج آخر للكفاءات العلمية المميزة، فقد حصل على ميدالية الفيلدز العالمية هذا العام. وبعد تخرجه من جامعة طهران توجه إلى بريطانيا ضمن وفد جامعته للمشاركة في مسابقات الرياضيات، وهناك قدم طلبا للجوء، وقبلت بريطانيا طلبه فورا.

إحسان كامراني شاب إيراني آخر هاجر عام 2004 إلى كندا لمتابعة دراسة الدكتوراه في جامعة مونتريال، حيث اخترع عينا اصطناعية (تشبه نظارات غوغل) تساعد ضعاف البصر على الرؤية، وتشخّص الأمراض وتساعد على معرفة نسبة السكري.

كامراني متخرج من جامعتي "شهيد بهشتي" و "تربيت مدرس" في طهران، كما حاز على شهادات عليا من جامعتي "هارفارد" الأميركية و"بوهانك" في كوريا الجنوبية.

فريدون درخشاني حاصل على ميدالية "الفيلدز" العالمية (إيبنا الإيرانية)

حجم الظاهرة
لا تتوافر إحصائيات رسمية دقيقة عن هجرة الأدمغة من إيران، إلا أن ما ورد في أوراق بحثية إيرانية تشير إلى حجم الظاهرة. فقد كشف الأكاديمي في العلوم الطبية بجامعة همدان الدكتور رشيد حيدري مقدم على هامش مهرجان البحث والتكنولوجيا الـ18؛ عن "رحيل 180 ألف خريج من البلاد عام 2015، وهو ما يقدر اقتصاديا بإجمالي الإيرادات النفطية"، لذلك وصف الأمر بالكارثة على إيران، حسبما نقلت عنه وكالة "خبر أونلاين" الإيرانية عام 2017.

وقبله، فصّل الوزير الأسبق للعلوم والأبحاث والتقنية الإيرانية الدكتور رضا فرجي دانا في الموضوع حين قال لوكالة أنباء "إيرنا" عام 2014 إن "هجرة العقول تكلف إيران 150 مليار دولار سنويا".

وقدّر المؤتمر الوطني الأول للعلوم الأساسية للطب والتكنولوجيا عام 2015 الأضرار التي لحقت البلاد من هذه الظاهرة بأكثر من 60 مليار دولار، وهو ما يمثل 15% من إجمالي الناتج المحلي لإيران.

هذه التكلفة العالية على الاقتصاد الإيراني مردها إلى العدد الكبير للنخب المهاجرة من إيران، إذ يؤكد برويز كرمي مستشار نائب رئيس العلوم والتكنولوجيا للرئيس حسن روحاني وأمين مقر تنمية ثقافة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد، أنه في العام 2017 كان عدد المهاجرين الإيرانيين إلى كندا 6485 شخصا، وهو رقم يقل كثيرا عن عدد المهاجرين إلى هناك عام 2016 والبالغ 11665 إيرانيا، بينما شهد العام 2015 هجرة 11.3 ألفا، حسب تصريحه لصحيفة "شرق" عام 2018.

مدخل جامعة طهران (موقع الجامعة)

ابتعاث الطلاب
من جهة أخرى، أعلنت إدارة الهجرة الأميركية أن إيران تراجعت في مجال ابتعاث الطلاب في بعثات علمية للخارج؛ إلى خُمس ما كانت عليه في بداية الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979.

ووفقا للإحصاءات الأميركية عام 2016، تحتل إيران المرتبة 11 من قائمة تصدير المهاجرين إلى أميركا.

وبناء على ما سبق، يترتب على نزيف الأدمغة الذي تعاني منه إيران تكلفة عالية في التدريس والتدريب والتأهيل، حتى يبلغ الشخص درجة من العلم والنضج في المجال العلمي الذي يتخصص فيه، ثم تخسره الدولة عندما تحين مرحلة العطاء وقطف ثمار التعليم. في المقابل تحصد الدولة المستقبلة لهذه العقول -وبالمجان- ما بنته إيران خلال أعوام طويلة.

ورغم أن إيران مصنفة ضمن الدول الأكثر نموا في إنتاج العلم والتكنولوجيا ونشر المقالات العلمية في العالم، يرى كثيرون أن ما هو أكثر أهمية هو استثمار هذه المعلومات ومحاولة إبقاء الشباب داخل البلاد والاستفادة من معرفتهم وإنجازاتهم العلمية.

وفي هذا السياق، ترتفع أصوات المعنيين بملف هجرة العقول في إيران من أجل فتح أبواب الحريات العامة، كحرية الرأي والمعتقد، وتحسين الأوضاع المعيشية للجميع، خصوصا للكفاءات المميزة، بهدف احتضانها والحيلولة دون هجرتها، وتحقيق تكافؤ الفرص في العمل والتحصيل العلمي، لوقف هذا النزيف المرهق، حسب قولهم.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: