رغم سيطرته الأمنية.. كيف استطاع الفلسطينيون استنزاف الاحتلال أمنيا واقتصاديا؟

A Palestinian demonstrator releases firecrackers towards Israeli troops during a protest against U.S. embassy move to Jerusalem and ahead of the 70th anniversary of Nakba, near Israeli Qalandia checkpoint near Ramallah in the occupied West Bank May 14, 2018. REUTERS/Mohamad Torokman
مواجهات بين فلسطينيين وقوات الاحتلال قرب حاجز قلنديا بالضفة (رويترز-أرشيف)

الضفة الغربية-خاص

رغم السيطرة المطلقة لقوات الاحتلال على مفاصل الحياة والحركة في الضفة الغربية فإنها تعاني بحسب مختصين من استنزاف أمني واقتصادي باهظ الثمن، إذ إن ملاحقة المقاومة وحماية أمن المستوطنات الواقعة على أراضي الضفة تحتاج الكثير من الجنود والمال، مما يشكل عبئا حقيقيا على كاهل دولة الاحتلال.

وبحسب إحصائية نشرها مركز القدس في رام الله المختص بالشأن الإسرائيلي، فقد شهد العام الحالي على سبيل المثال أكثر من 4367 عملا مقاوما مما أدى لمقتل 11 إسرائيليا وإصابة أكثر من 159 آخرين.

كما نفذت المقاومة خلال العام بالضفة والقدس العديد من العمليات، كان من أبرزها 40 عملية إطلاق نار و33 عملية طعن ومحاولة طعن و15 عملية دعس ومحاولة دعس و53 عملية تم فيها إلقاء أو زرع عبوات ناسفة محلية الصنع و262 عملية إلقاء زجاجات حارقة صوب آليات ومواقع الاحتلال العسكرية والمستوطنات.

حماية مضاعفة
ويشير خبراء أمنيون إلى أن توسع المشروع الاستيطاني بالضفة سيزيد من مأزق الاحتلال الأمني في المواجهة الأمنية مع المقاومة سواء في غزة أو جبهات أخرى، وذلك أن التوسع يعني الحاجة للحماية المضاعفة، وأن الاستنزاف وإن كانت أشكاله بسيطة حاليا فهو مكلف، وحال تطوره سيكون الاحتلال أمام مأزق أمني حقيقي.

ويقول الخبير العسكري والإستراتيجي اللبناني أمين حطيط إن إستراتيجية استنزاف الاحتلال بالضفة يمكن الثقة بها وبناء الآمال الوطنية والسياسية عليها، مضيفا أن أكثر ما يزعج الاحتلال ويقلق مستقبله استمرار حالة المشاكسة اليومية والاستنزاف طويل المدى لمكوناته العسكرية والأمنية.

‪مقتل مستوطن بعملية طعن نفذها فلسطيني عند مدخل مستوطنة أرئيل‬ قرب نابلس شمال الضفة في 5 فبراير/شباط الماضي
‪مقتل مستوطن بعملية طعن نفذها فلسطيني عند مدخل مستوطنة أرئيل‬ قرب نابلس شمال الضفة في 5 فبراير/شباط الماضي

من جهته، يرى الكاتب والباحث بالشؤون الإسرائيلية عماد أبو عواد أن حروب الاستنزاف تمكن غالبا الفئة الأضعف من تحقيق إنجازات على الأرض، ورغم ماكينة القمع التي قد تولدها من الدولة المُستنزفة فإن ذلك يساهم بتفتيت قوّتها وتشتيت تركيزها، ويُمكن ملاحظة ذلك من خلال نجاحات الدول التي خضعت للاحتلال واستقلت فيما بعد.

وأوضح أبو عواد أن هناك مجموعة من العوامل التي تضغط الاحتلال وتُساهم في استنزافه أمنيا واقتصاديا، تتمثل في استمرار الحالة الأمنية غير المستقرة وإن كانت بشكل متقطع، مشيرا إلى أنها تُسهم في زيادة الضغط الأمني على الاحتلال وزيادة أعبائه المالية أولا.

ولفت الكاتب إلى أن انتفاضة الأقصى أجبرت الاحتلال على بناء الجدار العازل، واليوم وبعد 15 عاما ترى إسرائيل أن الجدار ربما كان خطأ إستراتيجيا، وربما تكرار مسيرات العودة بالضفة سيؤدي إلى تحويل الجدار لعبء إضافي يتطلب وقتا ومالا وجيشا إضافيا أكثر لا يُمكن أن تستوعبه إسرائيل.

وأضاف أنه في الحالة الأمنية أيضا أصبح من المعروف أنّ إسرائيل تعتمد دائما في كل توتر على استدعاء جيش الاحتياط الذي بات في الفترة الأخيرة لا يلقى ذات الإجماع الشعبي حوله، إضافة إلى أن هناك من بات يرى فيه عبئا على الدولة، والكثير من المنتمين له باتوا يدركون أنّ وجودهم بالاحتياط أثر عليهم اجتماعيا واقتصاديا، الأمر الذي بات يدفع الكثيرين للتفكير بتحويل الجيش الإسرائيلي إلى جيش أجير، بمعنى أن يصبح الانضمام له مهنة وليس انتماء.

وحول التأثير الاقتصادي، أكد الباحث أنّ استمرار الحالة الأمنية السيئة يُساهم في تراجع السياحة في إسرائيل سواء الداخلية أو الخارجية، علاوة على هروب جزء من الشركات نحو الخارج، كما أنّ استمرار الاستنزاف يدفع الكثير من الشركات لعدم الاستثمار بالدولة العبرية من منطلقات اقتصادية وكذلك إنسانية رفضا للاحتلال وسطوته.

وتابع "الاستنزاف يعني مزيدا من التكاليف على الجيش وبالتالي على جيب المواطن الإسرائيلي، مما رفع نسبة العجز بميزانية الاحتلال لأكثر من 3% الأعوام الأخيرة، لافتا إلى أن الأهم هو أنّ استمرار الاستنزاف ساهم بانقسام المجتمع الصهيوني حول الاستيطان، فهناك نسبة كبيرة من اليهود باتت ترى الاستيطان والمستوطنين عبئا ومساهما في تردي الأوضاع الأمنية، الأمر الذي زاد الفجوة داخل الكيان بين مستوطن وغير مستوطن.

مأزق المستوطنات
من جهته، أوضح الخبير بشؤون الاستيطان ماهر عابد أن الاحتلال ينظر للمشروع الاستيطاني على أنه استثمار وجودي، وذلك بصفته كيانا استعماريا احتلاليا، وأساسا في تحقيق أمنه الإستراتيجي، بغض النظر عن التكلفة المادية التي قد يتكبدها في سبيل استمراره.

وأكد أن المستوطنات تحولت مع مرور الزمن من معسكرات زراعية عسكرية لمستوطنات مجتمعية مكتظة بالمستوطنين، وبالتالي ورغم كونها تمثل حدود السيادة السياسية والأمنية للاحتلال فإنها فعليا باتت بحاجة إلى قوات لحمايتها لضمان أمن المستوطنين وحماية تنقلاتهم، وهو ما اتضح خلال الانتفاضة الثانية عندما اضطر الاحتلال لنشر آلاف الجنود على مفارق الطرق وتسيير دوريات على امتداداتها لمنع العمليات الفدائية وأعمال رشق الحجارة ضد المستوطنين.

ولفت الخبير إلى أن الخطة الأمنية للمستوطنات التي قدمها وزير حرب الاحتلال أفيغدور ليبرمان إلى الحكومة الشهر الماضي، والبالغة مليار دولار تقريبا، توضح مقدار التكلفة الأمنية التي تحتاجها المستوطنات.

وأشار إلى أن هذه الميزانية لا تشمل نشاطات جيش الاحتلال بالضفة والقدس، والتي تقارب نصف مجمل نشاط جيش الاحتلال كاملا.

المصدر : الجزيرة