شارع الحبيب بورقيبة.. بين ابن خلدون ومحمد بن سلمان

في شارع الحبيب بورقيبة رمز الثورة التونسية يرفض التونسيون زيارة محمد بن سلمان (رويترز)
في شارع الحبيب بورقيبة رمز الثورة التونسية يرفض التونسيون زيارة محمد بن سلمان (رويترز)

أمام تمثال العلامة عبد الرحمن بن خلدون بشارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة التونسية، يثبت التونسيون في أكثر من مرة أنهم صوت عال ضد الاستبداد والقمع والظلم وكأن لسان حالهم يقول "الظلم مؤذن بخراب العمران".

رحل ابن خلدون لكنه بقي حاضرا بحِكمه في أذهان الكثير من التونسيين ومُلهما لهم، وعلى مرمى حجر من تمثاله الشامخ، تعيد الصور الآتية من تونس ضد زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مشاهد الثورة التونسية وما لحقها من حراك وزخم شعبي.

وفي الشارع "الرمز" الذي وثّق أهم لحظات بدء الربيع العربي، تصدح الحناجر بالشعارات وتُرفع اللافتات والأعلام، وتردد الجماهير "لا أهلا ولا سهلا"، رافضة أن تكون أرض الثورة مكانا لاستقبال ولي العهد السعودي، وتبييض سجلّه من دماء اليمنيين ودماء الصحفي جمال خاشقجي حسب قولهم.

تونسيون رافضون لزيارة محمد بن سلمان (رويترز)

شارع ورمزية
ولا يخلو الشارع الممتد على مسافة تقدر بـ1500 متر من الرمزية، رمزية يتخذها من قيمته التاريخية ومعالمه المميزة وأخرى يتخذها من الأحداث التي كان مسرحا لها، منذ عهد الاستعمار إلى مرحلة حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي إلى فترة الثورة التونسية وما أعقبها من سنوات.

ومنذ الاستعمار الفرنسي لتونس يعتبر هذا الشارع، الشارع الرئيس في العاصمة تونس، وقد كان يسمى حينها (1881) بشارع "البحرية"، ثم حمل اسم الشارع اسم السياسي الفرنسي جول فيري.

وعقب الاستقلال حمل الشارع اسم الحبيب بورقيبة، فقد جرت العادة في عهده أن تتم تسمية الشارع الرئيسي في كل مدينة من المدن التونسية باسمه، وحافظ الشارع على الاسم حتى عندما أزيح بورقيبة عن الحكم من قبل بن علي سنة 1987.

أحداث مهمة
وشهد الشارع منذ تشييده في أواخر القرن التاسع عشر أحداثا تاريخية وحوادث كبرى، منها دخول الجيش الفرنسي إلى باب بحر في 1881، لاستعمار البلاد، ودخول الجيش الألماني تونس خلال الحرب العالمية الثانية، ثم دخول الجيش البريطاني لتحرير العاصمة من النازيين.

كما شهد خلال فترة بورقيبة أحداثا أخرى كبرى، منها حوادث يونيو/حزيران 1967 التي تظاهر فيها التونسيون ضد إسرائيل خلال حرب الأيام الستة وأحرقوا أملاك ومتاجر اليهود التونسيين في شوارع العاصمة. كما شهد انتفاضة العمال أو ما عرف بالخميس الأسود في 26 يناير/كانون الثاني سنة 1978.

وفي الثالث من يناير/كانون الثاني 1984 شهد الشارع كذلك ما عرف بأحداث انتفاضة الخبز، عقب قرار حكومي في أواخر ديسمبر/كانون الأول 1983 مضاعفة ثمن الخبز، وقد أدى قمع نظام بورقيبة لهذه التحركات إلى وقوع عشرات القتلى ومئات الجرحى.

في 14 يناير/كانون الثاني 2011، خرج الآلاف من التونسيين إلى قلب العاصمة وتدفقوا من كل صوب، مرددين بصوت واحد يسقط "حزب الدستور يسقط جلاد الشعب"، في إشارة إلى الحزب الدستوري الديمقراطي الحاكم آنذاك، و"خبز وماء وبن علي لا".

ودون خوف افتك التونسيون الذين ضاقوا بنظام بن علي القامع للحريات، الشارع واستعادوه بعد سنوات من الصمت، ليسقطوا النظام ويستردوا الحرية المسلوبة.

متظاهرون أمام المسرح البلدي بالعاصمة تونس ضد زيارة محمد بن سلمان (رويترز)

صوت الحرية
 من "ساحة الاستقلال" وصولا إلى "محطة تونس البحرية" يمتد الشارع، ووسطه يلوح مبنى المسرح البلدي الذي تنطلق منه التجمعات والمظاهرات، وغير بعيد عن هذا تنتصب الساعة الكبيرة في ساحة "14 جانفي (يناير)" لتوثق عقاربها أحداث الشارع ثانية بثانية.

فد يخفت نبض الشارع أحيانا، كما تخفت حركته في ساعات الليل القليلة، لكنه يعود في كل مرة ليجمع التونسيين أو جزءا كبيرا منهم على كلمة واحدة، كما اجتمعوا منذ يومين رفضا لزيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إيمانا منهم بمبادئ الثورة ودفاعا عن قيم لا تشترى بالأموال، ويقينهم في ذلك أن صوتهم الصادح بالحرية لا يمكن كتمه.

وبين هذا وذاك يقف تمثال ابن خلدون الذي قال منذ مئات السنين "يقلب الحاكم توجسه وغيرته من شعبه إلى خوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والإهانة"، وكأنه تنبأ بما يحدث.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية