بالفيديو.. الدروس الخصوصية بمصر.. رقص وغناء وتلقين

محمود صديق-القاهرة

رقص، ومزمار، وتنورة، وأغان شعبية داخل قاعة أفراح أو سرادق كبير، مشهد يحسبه الناظر عرسًا في منطقة شعبية، حتى إذا جاءه لم يجده سوى أحد الأماكن المخصصة للدروس الخصوصية، ووجد مدرسين لا تلهيهم مدارس ولا تحذيرات الحكومة عن رص الطلاب بالمئات، وربما الآلاف، داخل قاعات كبرى أو ملاعب لكرة القدم أو حتى دور السينما.

وبينما يعكف البرلمان المصري على سن قانون يجرم مراكز الدروس الخصوصية؛ اتخذت الأخيرة منحى تصاعديا سريعا، سواء في أعدادها أو أشكالها وأماكنها، بل وصل الأمر إلى ابتكار أشكال جديدة وغريبة في طرق تدريسها.

"السناتر" (هكذا اصطلح عوام المصريين على تسمية المراكز التعليمية وتبعهم في ذلك معظم الخواص) تقتنص من جيوب المصريين نحو الثلاثين مليار جنيه سنويا (نحو 1.7 مليار دولار)، بحسب تصريحات صحفية لوزير التربية والتعليم طارق شوقي.

ووفقا للوزير، فقد دفع الإقبال الكبير أصحاب تلك المراكز إلى اشتراط نجاح الطالب في العام الدراسي السابق بنسبة 60% على الأقل ليتم قبوله في المركز الذي يقدم دروسا خصوصيا بمقابل مالي لا بأس به.

وأمام البرلمان، أوضح شوقي أن الدولة تدفع للتعليم تسعين مليار جنيه في الموازنة العامة، في حين يدفع الأهالي 120 مليار جنيه تكلفة للدروس الخصوصية والكتب الخارجية بمجموع قدره 210 مليارات جنيه؛ واعتبر البعض ذلك نوعا من التمهيد لتخلي الدولة عن مجانية التعليم، على أساس أن الأهالي يمكنهم الدفع؛ فلماذا لا يدفعون للدولة بدل الدفع للقطاع الخاص؟!

مدرس يقدم درسا خصوصيا في أحد ملاعب الكرة (الصحافة المصرية)

 

سينما وملاعب
وبعد أن كانت حصة الدروس الخصوصية تعقد في المنازل لعدد قليل من الطلاب لا يزيد على خمسة، اتسع الأمر لتعقد الحصة في قاعة، وقد يصل عدد الطلاب فيها إلى خمسين.

ثم تحول الأمر إلى تجارة كبيرة، حيث أُنشئت مراكز كبيرة تشبه المدارس يعمل بها مدرسون، ومعهم فرق من السكرتارية وأفراد الأمن والحماية، وتدار تلك المدارس من قبل مستثمرين يجمعون بين الطلاب والمدرسين مقابل نسبة معلومة من حصيلة تلك الدروس.

ولجأ بعض المدرسين ممن نالوا شهرة في مجال الدروس الخصوصية -خاصة قبيل الامتحانات- إلى تأجير قاعات سينما أو قاعات أفراح أو إقامة سرادق في الشارع يتسع لمئات الطلاب.

وهناك حادثة شهيرة ظلت حديث الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي لأسابيع، عندما قام مدرس شهير بتأجير مدرجات ملعب كلية التربية الرياضية بمحافظة الجيزة، وحشر به مئات من طلاب الثانوية العامة ليلة الامتحان.

ووصلت آفة الدروس الخصوصية إلى الجامعات، واحترفها بعض الأساتذة، خاصة في كليات الطب والصيدلة والهندسة، وحتى الحقوق والتجارة.

انتقادات كثيرة توجه للمدارس المصرية سواء من حيث المنشآت أو جودة التعليم (الجزيرة-أرشيف)

غناء ورقص
لكن الأكثر إثارة هو ما شهدته الدروس الخصوصية من "تقاليع" برزت في السنوات القليلة الأخيرة، وفي مقدمتها استخدام الدف والطبلة والمزمار وآلات موسيقية أخرى، حيث يتم تلحين كلمات الدروس، وتحويلها إلى أغنية يؤديها المدرس ويردد وراءه الطلاب.

ولم تتوقف التقاليع عند هذا الحد، فقد أحضر أحد المدرسين لاعب سيرك داخل المركز الذي يعمل به، وجلب آخر راقص "التنورة"، واستعان آخرون بتسجيلات لأغان شعبية يحتفي بها البعض، ويطلقون عليها اسم المهرجانات، وفي الوقت الذي ينفر منها آخرون فإنهم يتفاجؤون بأنها باتت وسيلة لتعليم أبنائهم.

بل وصل الأمر إلى استخدام موجه لمادة العلوم -بإدارة الدقي التابعة لمحافظة الجيزة- ألفاظًا خادشة للحياء تتضمن إيحاءات جنسية أثناء شرح مادة الكيمياء لطلبة وطالبات الثانوية، بأحد مراكز الدروس الخصوصية، وعاقبته الوزارة بإلغاء انتدابه للتوجيه، وقررت إعادته لأحد المدارس، مشترطة أن تكون مدرسة للبنين فقط.

أولياء أمور تحدثت إليهم الجزيرة نت عبروا عن استهجانهم لهذه التقاليع، لكن هل يوافق أباطرة الدروس الخصوصية على ذلك؟

لا يبدو ذلك، حيث اعتبر كثير منهم -عبر تصريحات صحفية- أنهم يقدمون طرقا مبتكرة تسهل على الطلاب استيعاب دروسهم وتثبتها في أذهانهم، مدللين على ذلك بنسب النجاح الهائلة لطلاب تلك المراكز، وعدد الأوائل الذين يخرجون منها.

أحد المسؤولين بإدارة الجيزة التعليمية -رفض ذكر اسمه- يؤكد للجزيرة نت صحة المعلومة الخاصة بنسب النجاح والأوائل، لكنه استدرك بسؤال عن المنتج التعليمي الحقيقي الذي يقف وراء هذه الأرقام، ويجيب "في الحقيقة، لا شيء".

ويضيف المسؤول أن هؤلاء المدرسين لديهم رواج كبير لدى أولياء الأمور نتيجة حملات الدعاية الكبيرة تحت عناوين مثل "صاحب أصدق التوقعات لأسئلة الامتحان"، و"منتج الأوائل"، وغير ذلك من المسميات المثيرة، "كحوت الكيمياء" و"ديناصور الفيزياء" وما إلى ذلك.

ويمضي قائلا "هم يعملون بمنطق الجمهور عايز كده، ويدرسون ورقة الامتحان لا المادة؛ فنجد طلابا حصلوا على الدرجات النهائية نتيجة حفظ الأسئلة المتوقعة دون استيعاب للمنهج، فيكون مردود تحصيله للمواد ضعيفا للغاية، لذلك تحتل مصر المركز 148 من 148 دولة في التعليم على مستوى العالم كما ترون".

مهما كان الأهل فقراء فهم يولون تعليم أبنائهم اهتماما كبيرا (الجزيرة-أرشيف)

لفتة إنسانية
وفي ظل هذه الحرب التجارية، علق محرم مصطفى (مدرس لغة فرنسية بأحد المعاهد الأزهرية بمدينة المنصورة) لافتة على باب منزله كتب فيها "أبنائي الطلبة والطالبات إذا كنت لا تملك ثمن الدرس لا تخجل واجعل ولي أمرك يتصل بي فهذا حقك.. وهذا واجبي".

وألزم مصطفى نفسه بمبدأ مفاده أن من لديه أكثر من طالب في المرحلة نفسها يأخذ منه مستحقات طالب واحد، ولا يأخذ أي مقابل ممن توفي والده.

ويؤكد مصطفى أنه سعيد باتصال عشرات أولياء الأمور غير القادرين، مضيفا أن النجاح من حق الفقراء أيضا، وليس حكرا على ميسوري الحال القادرين على تحمل نفقات الدروس الخصوصية.

المصدر : الجزيرة