اليمين المتطرف يترصد.. الإقصاء والتهميش يطارد مسلمي سويسرا

امرأة مسلمة خلال مظاهرة منددة بالعنصرية ضد المسلمين في برن بسويسرا (رويترز-أرشيف)
امرأة مسلمة خلال مظاهرة منددة بالعنصرية ضد المسلمين في برن بسويسرا (رويترز-أرشيف)

حاتم عمر-تون (سويسرا)

تطالع مايدي، السويسرية المسلمة، عنوانا على صحيفة "20 دقيقة" الأكثر توزيعا في سويسرا، يحذر من الاحتكام إلى القضاء الدولي إن أراد مسلمو هذا البلد الأوروبي نقض أي حكم قضائي يحرمهم من حقوقهم.

تقول مايدي للجزيرة نت بعد نزولها من حافلتها اليومية في إحدى محطات مدينة "تون" وسط سويسرا "نعم، أنا تلك الفتاة التي قد تلجأ للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان للحصول على حقوقها".

وصوت السويسريون أمس الأحد، وبنسبة 66.4% ضد مبادرة طرحها حزب الشعب اليميني يدعو فيها إلى جعل القانون السويسرى فوق القانون الدولي.

وكانت الحكومة السويسرية وأغلب الأحزاب دعت إلى رفض المبادرة خاصة أن الموافقة عليها كانت ستؤثر سلبا في علاقات سويسرا دوليا وأوروبيا.

وفي السياق، تضيف مايدي (19 عاما) "تيار اليمين السياسي المتطرف والمتشدد هو الذي وقف وراء هذه المبادرات التي تستهدفنا نحن كمسلمين في المقام الأول، إذ تعمدوا استخدام التخويف من الإسلام لشد الانتباه إليهم".

مايدي عبرت عن أسفها لعدم اكتراث اليمين المتشدد بالتداعيات الاجتماعية الناجمة عن هذه المبادرات (الجزيرة)
وفي أحد إعلاناته، يبرر الحزب المتطرف صاحب المبادرة أن عدم إدراج المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إهانة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ضمن حرية التعبير عن الرأي فيه "تحجيم لانتقاد الإسلام".

ويتساءل الحزب في إعلان آخر عما "إذا كان الأمر عاديا أن ينظر قاض تركي في الحظر السويسري على بناء المآذن في البلاد".

وتدرك مايدي جيدا أن من وراء تلك المبادرة هم جزء من تيار اليمين السياسي المتشدد المنتشر في أوروبا ويكسبون أصوات الناخبين من خلال بث الخوف من اللاجئين والمهاجرين بشكل عام ومن الإسلام والمسلمين بصفة خاصة.

وتأسف الفتاة لعدم اكتراث هذا اليمين المتشدد بالتداعيات الاجتماعية الناجمة عن ذلك، مثل تنميط أبناء الجالية المسلمة وإقصائهم أو تهميشهم، رغم أنهم أبناء هذه البلاد، يعيشون ويتعلمون ويعملون فيها ويؤدون ما عليهم من التزامات كغيرهم من مكونات النسيج المجتمعي.

تنظر مايدي بعيدا مسترجعة بعض المشكلات التي يتعرض لها المسلمون في سويسرا، ليس بسبب أنهم يطالبون بشيء غريب او مُستحدث، بل لأنهم يريدون الاستفادة مما يضمنه لهم الدستور السويسري تحت بند حرية المعتقد والضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية.

خلال عملية الفرز لنتائج الاستفتاء (رويترز)

تقول بلوعة "الحجاب في المدارس ليس ممنوعا، لكن بعض الإدارات التعليمية تتعنت مع المحجبات ما يضطرهن إلى اللجوء للقضاء، لتثبيت ما هو مثبَّت بالفعل بالقانون".

وتضيف أنه "مع كل قضية يفتح الإعلام ملفات الاندماج المجتمعي مثيرا الشكوك حول قدرة المسلمين على التعايش في المجتمع الغربي بشكل عام وكأننا نزلنا من كوكب آخر ولسنا أبناء هذا المجتمع".

ورغم اعترافها أن القضاء ينصف المحجبات في المدارس السويسرية في كل مرة، تعتبر مايدي "أنه انتصار مصحوب دائما بتبعات بعضها إيجابي، مثل اكتساب المحجبة دعما معنويا يساعدها على استكمال مسيرتها التعليمية باطمئنان.

أما التأثير السلبي فيتمثل في أن تلك المواجهات القانونية تضع حاجزا افتراضيا بين الفتاة وبين آفاقها التعليمية والمهنية، فعلى سبيل المثال حرمت تلك القيود على الحجاب، الفتيات من مجرد التفكير في أن يصبحن معلمات أو محاميات أو طبيبات، بل إن هناك أكاديميات محجبات يجدن صعوبة في العثور على عمل بسبب انتمائهن الديني.

ولا تستبعد السويسرية المسلمة الشابة أن تلجأ المحجبات المتضررات من صعوبات تواجههن بسبب قناعتهن الدينية إلى القضاء الأوروبي للحصول على حقوقهن إذا لم ينصفهن القضاء السويسري هن أو غيرهن في قضايا تتعلق بحقوق المسلمين.

في أحد مكاتب الاقتراع على الاستفتاء أمس الأحد (رويترز)

وقد استبق اليمين المتشدد مثل تلك التوجهات بالدعوة إلى رفض الاختصام أمام القضاء الأوروبي أو الدولي، ربما لإدراكهم أن الحضور المتزايد للمسلمين في أوروبا سيؤدي تدريجيا إلى ضرورة الاعتراف بتمتعهم بالحقوق الأساسية.

واستغرب ناشطون حقوقيون أن تأتي هذه المبادرة من بلد يروج لنفسه في جميع أنحاء العالم على أنه مهد القانون الإنساني الدولي وحاضنة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

كما أن دبلوماسيي هذا البلد لا يملون الحديث أينما حطوا رحالهم حول العالم من التذكير بضرورة احترام حقوق الأقليات وضمان حقوق المواطنة،  بل إن وزارة الخارجية السويسرية تركز دوما على أن حقوق الإنسان هي أحد ملفاتها الأساسية في سياساتها الخارجية.

ويقول مراقبون أن الفئة التي تؤيد مثل هذه المبادرات هي من الطبقة الوسطى التي لا علاقة لها بالعالم الخارجي وتعيش عادة في مناطق وسط سويسرا أو شرقها وتنظر إلى الأمر على أنه حق تقرير للمصير دون فهم أو استيعاب تبعاته.

ويرجح محللون أن المشكلة تكمن في أن الموافقة على مثل هذه الخطوة قد تشجع التيارات اليمينية المتشددة في دول أوروبية أخرى على المطالبة بأن تحذو حذو سويسرا وتتنصل من التزاماتها الدولية مثلما حدث في بعض دول شرق أوروبا التي رفضت استقبال لاجئين مسلمين.

المصدر : الجزيرة