في البصرة.. الجدران لم تعد بكماء

شعار مكتوب على أحد الجدران في البصرة يتهم الحكومة بالظلم وعدم المبالاة بأحوال الشعب (الجزيرة نت)
شعار مكتوب على أحد الجدران في البصرة يتهم الحكومة بالظلم وعدم المبالاة بأحوال الشعب (الجزيرة نت)

عمار الصالح-البصرة

لم تعد جدران المباني في مدينة البصرة (جنوبي العراق) بكماء، بعدما امتلأت بشعارات مكتوبة تعكس صورة الصراع الخفي بين النشطاء المدنيين وأحزاب السلطة.

وبينما جسد شعار "البصرة تثور" حالة الرفض والتنديد بفساد المسؤولين والحكومات وفشلها في النهوض بواقع البلاد كما يعبر عنها القائمون عليها، توحدت أحزاب السلطة في تصديها لهذا الصراع تحت شعار "لا بعثية بعد اليوم"، في إشارة إلى نظام البعث الذي كان يحكم العراق قبل عام 2003.

"البصرة تثور" من أبرز الشعارات المكتوبة على جدران المدينة (الجزيرة)

وعن الكتابة على الجدران في البصرة، يقول الناشط المدني نائل الزامل إن هذه الكتابات تكون ذات جملة مكثفة وقصيرة وسريعة الفهم، وأغلبها تتمحور حول الفساد ورفض الوضع القائم.

وأضاف الزامل في حديثه للجزيرة نت أن هذه الكتابات انتشرت على الحواجز الإسمنتية الموضوعة كعازل بين السلطة والمواطن، وهي تمثل عملية رفض لهذا الحاجز أكثر من كونها عملية إرسال رسالة.

وأكد أن كتابة الشعارات تعود إلى حالات فردية وتصرفات شخصية ولا تمثل الحالة العامة للمتظاهرين، مشيرا إلى أنه خلال مظاهرات الصيف الماضي في البصرة، طرحت فكرة لرسم صور لبعض المسؤولين المحليين على جدران المباني ويكتب عليها "فاسدون"، لكن لم يتم العمل بها.

نشطاء الأحزاب يكتبون "لا بعثية بعد اليوم" في اتهام للحراك المدني بالحنين إلى نظام البعث (الجزيرة)

أسلوب ثوري
في المقابل، اعتبر الناشط فراس كريم أن الكتابة على الجدران أسلوب ثوري لفضح المسؤولين الفاسدين أمام الشعب.

ويضيف كريم الذي مارس الكتابة على الجدران خلال المظاهرات التي شهدتها البصرة من يوليو/تموز إلى سبتمبر/أيلول الماضيين، أنه كتب الشعارات التي يؤمن بها ويطمح كل مواطن بصري إلى قولها دون أن يجد وسيلة إعلامية صادقة للتعبير عنها.

 الزامل: الكتابة على الجدران تتمحور
حول الفساد ورفض الوضع القائم (الجزيرة)

واعتبر أن الكتابة على الجدران تصل إلى الجمهور بطريقة أسهل لما تحمله من عفوية وصدق في التعبير.

وبينما خطت شعارات حملت معها النفس الثوري بالرفض والتنديد لسلطة الأحزاب الحاكمة تحت عنوان "البصرة تثور"، تصدّر شعار "لا بعثية بعد اليوم" الذي كتب بلونه الأحمر على جدران المباني الحكومية في البصرة ليكون وسيلة تعبير ذات بعد سياسي لدى أحزاب السلطة. ورغم عدم تبنيهم هذا المصطلح رسميا، فإنه استُخدم من بعض ممثليهم في السلطة كمحاولة لإلصاق تهمة الانتماء إلى حزب البعث المحظور بجموع المتظاهرين المطالبين بتغيير الوضع القائم.

جذور تاريخية
يقول الكاتب عباس الجوراني إن هذا النوع من الكتابة "لا يمكن فصله عن بواعثه السيئة الاجتماعية أو العقائدية وحتى السياسية، فكثيرا ما نشاهد كتابات من نوع: يسقط أو يعيش فلان، كتعبير عن الفرح أو الشماتة، أو عبارات تهديد لشرائح اجتماعية محددة".

 الجوراني اعتبر الكتابة على الجدران
فعلا ثوريا لمعارضي أنظمة الحكم (الجزيرة)

وأضاف الجوراني أن هناك عمقا تاريخيا قريبا لهذه الظاهرة، فعند العودة إلى خمسينيات القرن الماضي وأوائل ستينياته كانت هذه الوسيلة بمثابة فعل ثوري لمعارضي أنظمة الحكم في ذلك الوقت، وهي وسيلة إجبارية لتعرية سياسات أنظمة التعسف والطغيان.

تأثيرات محدودة
الناشط السياسي طارق البريسم اعتبر أن الكتابة على الجدران لا تمثل ظاهرة حضارية، لكنها في الوقت نفسه تشكل تعبيرا سياسيا لمعاناة الشعب.

وأضاف البريسم أن هذا النوع من الكتابة يظهر عندما يفتقر المجتمع إلى وجود أجواء من الحرية، لذلك يضطر البعض إلى كتابة الشعارات على الجدران خوفا من الملاحقات والاعتقالات.

ولم يقتصر الصراع بين النشطاء وأحزاب السلطة على كتابة الشعارات على الجدران، بل امتدت إلى تشويه شعارات الطرف الآخر وتخريبها، مما ترك تأثيره على جمالية المدينة ونظافتها دون أن يترك انطباعا واضحا على المواطنين كما يقولون.

المصدر : الجزيرة