مشروعات السيسي.. تصريحات متضاربة وصداع إعلامي

جانب من مشروع السكن الاجتماعي بمدينة بدر قرب العاصمة الإدارية الجديدة في مصر(الجزيرة)
جانب من مشروع السكن الاجتماعي بمدينة بدر قرب العاصمة الإدارية الجديدة في مصر(الجزيرة)
القاهرة-محمد السهيلي
 
"فقدنا الثقة، وعندما يعد الرئيس أو يتحدث وزراء المجموعة الاقتصادية لا يستمع أحد".. كانت تلك كلمات فلاح مصري في سيارة نقل جماعي لمراسل الجزيرة نت ردا على ما يتداوله الإعلام المصري يوميا من حديث حول "مشروعات عملاقة" نجحت، و"إنجازات تاريخية" تمت، و"مستقبل باهر" ينتظر الجميع.
 
ومع كثرة أحاديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن المشروعات، وسيل التصريحات الحكومية عن الإنجازات، يسهل على المتابعين اكتشاف تضارب واضح في الأرقام المعلنة، ومنها قول وزير القوى العاملة محمد سعفان لطلاب جامعة المنصورة الاثنين الماضي، إن الدولة أنجزت 7777 مشروعا بتكلفة 1.3 تريليون جنيه (72.6 مليار دولار).

وفي سبتمبر/أيلول 2018، وزعت الحكومة كتاب "مصر.. التحدي والإنجاز" على وسائل الإعلام، وحوى معلومات عن 7777 مشروعا، ولكن بتكلفة أعلى بلغت 1.6 تريليون جنيه (نحو 90 مليار دولار) في أربع سنوات.

غير أن حديث السيسي نفسه كان مختلفا وأرقامه مغايرة، حيث أعلن في يناير/كانون الثاني الماضي أن حكوماته أنجزت 11 ألف مشروع، بمعدل ثلاثة مشروعات يوميا، تكلفت تريليوني جنيه (111 مليار دولار).

هذا التناقض في أرقام الوزير والحكومة والسيسي دفع إلى التساؤل حول حقيقة الأمر ونوعية المشاريع وحجمها وقيمتها ومردودها على المواطن، بداية من خفض الأسعار، وتقليل نسب التضخم، وتوفر السلع، وتحسين الخدمات، وتقليص البطالة.

وقبل الحديث عن التناقض، فقد كان لافتا أن هذه الأرقام الهائلة للمشروعات لم يصحبها تحسن في العديد من المؤشرات الاقتصادية، حيث كشف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (رسمي) في أغسطس/آب الماضي أن معدل بطالة الشباب بلغ 26.7%. كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال الربع الثاني من 2018 إلى أدنى مستوياته منذ عامين، بحسب تقرير لوكالة رويترز الشهر الماضي.

أيضا، قفز الدين الخارجي لمصر إلى 92.64 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران الماضي، بزيادة 17.2% عن مستواه قبل عام، متضاعفا خمس مرات في خمس سنوات، حسب تقارير رسمية.

أما عن تناقض الأرقام فيعتقد مدير مركز "طيبة" للدراسات السياسية والإستراتيجية خالد رفعت أن حديث الحكومة عن آلاف المشروعات والترويج بأن عائدها كبير ومردودها مباشر على الشعب؛ "مجرد كلام مرسل"، ولا يغير من الأمر نشره في كتاب، كما يقول للجزيرة نت.

دوابة: المشاريع التي أطلقتها الدولة
لم تضف قيمة للناتج المحلي (الجزيرة)

للاستهلاك المحلي
ويرى أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة "صباح الدين زعيم" في إسطنبول أشرف دوابة أن "مشروعات الحكومة استهلاك محلي وتغييب للوعي"، مضيفا "وإذا كانت هناك مشروعات حقيقية فإن دور الدولة بالأساس توفير البيئة المناسبة لانطلاق القطاع الخاص".

وأوضح دوابة في حديثه للجزيرة نت أن "دور الدولة التنموي يكون بمشروعات لا يستطيع القطاع الخاص القيام بها، لكنها حينما توجهت إلى المشروعات اختارت مشروعات لم تضف قيمة للناتج المحلي"، ضاربا المثل بتفريعة قناة السويس والعاصمة الإدارية، ومعتبرا أن أعباءهما "كبيرة على الاقتصاد بدون تنمية، بل بالديون".

وحول أولويات مصر الحقيقية في تنفيذ المشاريع، أكد أستاذ التمويل المصري أنه "لا بد من توفير البيئة المناسبة للقطاع الخاص لممارسة عمله"، متهما القاهرة "بعدم توفير الأمن المادي والنفسي نتيجة للحكم العسكري، وعسكرة الاقتصاد وأشياء كثيرة في هذا الإطار".

وتساءل دوابة "ما عدد المواطنين الذين خلقت هذه المشروعات وظائف لهم؟ وأين وصل معدل البطالة؟ وما هي الأرقام الحقيقية للناتج المحلي؟ وهل هناك تحسن في معيشة الناس؟"، مجيبا بقوله "هذا كلام غير موجود في الواقع شكلا وموضوعا، وما يعلن هو للاستهلاك المحلي".

وعلى الجانب الآخر، أشاد العالم المصري فاروق الباز بمشروعات السيسي، قائلا أثناء برنامج تلفزيوني في سبتمبر/أيلول الماضي إن "الرئيس بدأ عملية الإصلاح بالمشروعات القومية والعملاقة التي تعزز البنية التحتية للبلاد، مما يمكّنها من إحداث تنمية ضخمة تعالج مشاكل الماضي".

وأضاف الباز أن "مصر تسير الآن على الطريق الصحيح، والرئيس محترم ومعه مجموعة مؤمنة بمستقبل مصر".

شهادات واقعية
وبالرجوع إلى أرض الواقع، كشف مقاول في مجال البناء للجزيرة نت كيف يتم التلاعب بشأن المشروعات، مشيرا -كمثال لذلك- إلى قريته الكائنة بمحافظة الشرقية وما شهدته من مشروع لترميم إحدى مدارسها تحت إشراف الجيش، وكانت النتيجة أن أحضر المقاول كميات كبيرة من مواد البناء، و"بعد أيام وجدنا سيارات تسحب منها إلى مناطق أخرى"، وبسؤال الضابط قال "ليس من شأنكم"، وأكمل المقاول الترميم "بأقل المواصفات".

وأضاف المقاول نفسه الذي رفض ذكر اسمه أن "ترميم المدرسة الإعدادية في القرية بدهن الجدران والأبواب والشبابيك وبلاط الطرقات فقط، رصدت له ميزانية 1.8 مليون جنيه (100 ألف دولار)، وهو مبلغ يكفي لإعادة بناء المدرسة كليا، وفي النهاية يعد مشروعا تقول الحكومة إنها أنجزته".

والتقط طرف الحديث الموظف السابق بالمجلس القروي المحلي، مبينا أنه في قريته "مشاريع كثيرة منذ عهد حسني مبارك لم تُستكمل، وبمجرد رصد أي ميزانية لاستكمال بعضها أو أجزاء منها يُقيَّد كرقم بين المشروعات المنجزة".

وضرب الموظف نفسه في حديثه للجزيرة نت مثالا بمشروع تغطية مصرف القرية، وأنه كل عام يتم تغطية جزء منه، مضيفا "يعني أن خمسة مشروعات تمت على مدار خمسة أعوام في هذا المصرف"، مشيرا إلى أن "مشروع الصرف الصحي في القرية أيضا متوقف منذ عشر سنوات، وهذا العام تم صرف بعض المواسير لإيصاله بقرية مجاورة، وهكذا يعتبر مشروعا تم إنجازه".

وعن مشروع استصلاح المليون فدان، يقول المدرس صبري (50 عاما) "تقدمنا بالقرعة عام 2017، وفزنا كمجموعة من عشرة أفراد بقطعة أرض في توشكى (جنوبي مصر)، وذهبنا لمعاينتها فوجدناها غير مستصلحة، وتملؤها الكثبان الرملية، ولا توجد حياة ولا مياه للشرب، وأقرب عمران لها يبعد عشرين كيلومترا، وعندما ذهبنا إلى الشركة في القاهرة قالوا لا توجد اعتمادات مالية لإصلاحها، وفي النهاية تم سحب الأرض منا بلا أسباب نعرفها".

المصدر : الجزيرة