غجر العراق.. مستقبل مجهول وانتهاكات مستمرة

أم غجرية في الديوانية رغم حيازتها للجنسية العراقية إلا أن طفلها محروم منها ومحروم من كل الحقوق المدنية (الجزيرة نت)
أم غجرية في الديوانية رغم حيازتها للجنسية العراقية إلا أن طفلها محروم منها ومحروم من كل الحقوق المدنية (الجزيرة نت)

منار الزبيدي-الديوانية

لم يكن يخطر ببال إشراق ريسان حامد (25 عاما) أن فرحتها بمولودها لن تستمر بعدما علمت أنه سيكون بلا هوية.. كانت تجلس هناك في زاوية غرفتها المظلمة إلى جانب زوجها، تحمل على ذراعها طفلها الذي بلغ عامه الأول.

وبحسرة كبيرة قالت "عندما أنجبت صغيري شعرت كأني أملك العالم بأسره، فقد حصلت عليه بعد طول انتظار، ولكن سرعان ما تلاشت سعادتي عندما طردني موظفو دائرة الجنسية في الديوانية (جنوبي العراق) وقالوا لا حقوق لكم".

فكثيرا ما يراودها الندم المزمن والشعور بالذنب تجاه صغيرها المجهول المصير، فهي لا تعلم بماذا ستجيبه عندما يكبر ويسألها: أين هويتي؟

وبصوت عال تتساءل إشراق عن الجريمة التي اقترفها الغجر ليكون جزاؤهم الحرمان من أبسط حقوقهم المدنية، حتى من هوية انتمائهم إلى الوطن. كما تعتقد أن التهميش والإقصاء الحكومي والمجتمعي "متعمد" للقضاء عليهم في العراق.

الغجري الذي يفقد جنسيته بالضياع أو التلف سيبقى مجهول الهوية (الجزيرة)

حتى إشعار آخر
ويعاني الشباب الغجري المتزوج حديثا من هذه المشكلة، فبعد إتمام جميع إجراءات الزواج القانونية لم يسمح لهم بتغيير معلومات الجنسية التي يحملونها، فيبقى الزوج والزوجة أعزبين في دائرة الأحوال المدنية، مما يدفعهم للعزوف عن الإنجاب خوفا من ولادة طفل مجهول الهوية، خاصة أن جميع الولادات الغجرية بعد تنفيذ قانون البطاقة الوطنية "بلا هوية".

فالغجري الذي يفقد جنسيته بالضياع أو التلف سيبقى مجهول الهوية، لأن بديلها البطاقة الوطنية التي حرمت على الغجر حتى إشعار آخر .

ولم يستطع الطفل الغجري منصور خيري الالتحاق بالمدرسة رغم وجود الأوراق الثبوتيه لدى أبويه. يقول والده "أرهقتني كثرة التعقيدات والإجراءات في الدوائر الحكومية للحصول على جنسية لولدي منصور، فلم أعد قادرا على تحمل النظرة الدونية والتكاليف المالية".

وخلال السنوات التي أعقبت عام 2003، مُنع الغجر من ممارسة مهنتهم في الرقص والغناء التي عرفوا بها وتوارثوها عن أجدادهم، ولم يحصلوا على أدنى فرص العمل، فقد حاربهم ونبذهم الجميع لينتهي بهم المطاف إلى التسول من أجل العيش.

وقد ساءت أحوالهم واضطروا للتشتت بين المحافظات، كما أن حياتهم قبل العام 2003 لم تكن مثالية، لكن السلطات سمحت لهم بممارسة مهنتهم ووفرت لهم جميع الخدمات.

ورغم أنهم يحملون الجنسية العراقية وبقية الأوراق الثبوتية، فإن الحكومة العراقية استثنتهم من استصدار البطاقة الوطنية -أو ما تسمى البطاقة الموحدة- لأجل غير معلوم.

أطفال غجر يهيمون على وجوههم فلا مدارس تعلمهم ولا دولة ترعاهم (الجزيرة)

تنصل
وكانت للجزيرة نت محاولات عدة للحصول على تصريح من مديرية البطاقة الوطنية في المحافظة، إلا أنها امتنعت بذريعة توجيهات الإدارة العامة في بغداد. أما الحكومة المحلية في الديوانية فقد أخلت مسؤوليتها عن الموضوع على اعتبار أنه يتعلق بشؤون وزارة الداخلية.

مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الديوانية محمد البديري أكد للجزيرة نت أن الغجر في محافظتي ديالى (شرق بغداد) والديوانية وباقي المحافظات، يعيشون أوضاعا صعبة في ظل حرمانهم من البطاقة الوطنية رغم عراقيتهم.

وأضاف البديري أن الغجر يعانون كذلك من حرمانهم من فرص العمل في القطاعين العام والخاص، وهو خرق آخر لحقهم في العمل وفقا للدستور وقانون العمل.

وأشار إلى أن معاناة الغجر في الديوانية تمثل انتهاكا لحقوقهم الطبيعية كمواطنين عراقيين، فلا توجد في قريتهم شبكة مياه صالحة للشرب، إضافة إلى انعدام البيئة الصحية السليمة بسبب تراكم النفايات وقرب موقع الطمر الصحي من بيوت القرية.

وبحسب البديري فإن المفوضية العليا لحقوق الإنسان تتابع أوضاع الغجر في عموم العراق وترصد الانتهاكات، كما فاتحت مجلس النواب العراقي لإقرار تعديل قانون الجنسية رقم 26 لسنة 2006 بما يكفل حق الغجر في البطاقة الوطنية.

وبعد هدم المدرسة الوحيدة للأطفال في قرية الزهور وحرمان دام أكثر من 15 عاما على يد جهات دينية متشددة، نظمت مجموعة من الناشطين في الديوانية حملة للمطالبة بتوفير مدرسة في القرية تحت عنوان "الغجر بشر"، ونفذوا حملتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واستطاعوا من خلالها إحراج وإجبار السلطات المحلية على فتح مدرسة جديدة ومراكز لمحو الأمية.

الطفل منصور يقف أمام المدرسة التي حرم منها بسبب عدم منحه بطاقة وطنية (الجزيرة)

خروقات دستورية
يبين المحامي علي الزبيدي أن حرمان الغجر من حقوقهم انتهاك للدستور العراقي النافذ الذي نص في المادة 14 على أن العراقيين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. كما أن البطاقة الوطنية وجدت للتخفيف عن كاهل المواطن، لا للتفرقة بين المواطنين على أساس العرق، مؤكدا أن الجنسية -وفقا للمعاهدات الدولية- حق لكل إنسان، وهو ما نص عليه الدستور العراقي أيضا في المادة 18.

ويرى الزبيدي أن قانون الجنسية حدد ضوابط منح الجنسية للعراقيين والأجانب، ولكنه لم يعالج وضع الغجر الذين منحوا شهادة الجنسية العراقية استثناء من قانون منح الجنسية العراقية بدون نص قانوني، لذلك منعت عنهم البطاقة الوطنية. ولمعالجة المشكلة يتوجب تعديل قانون الجنسية النافذ.

ويعود تاريخ الغجر في الديوانية إلى بداية القرن العشرين بعد أول أسرة غجرية سكنت هناك، وبعدها انتقلوا إلى مناطق الكمالية والإسحاق والبصرة. وفي خمسينيات القرن الماضي، حاولت السلطات العراقية دمجهم في المجتمع وأسست لأبنائهم مدرسة ابتدائية عام 1964 في قرية الزهور.

وتزوج بعض وجهاء الديوانية وشيوخها من بعض الغجريات الجميلات لمنعهن من ممارسة البغاء، ونجم عن ذلك ولادة أبناء أصبح بعضهم مسؤولا في الدولة، غير أنهم تنكروا لغجريتهم كما قال الخبير في المجال التأريخي غالب الكعبي.

المصدر : الجزيرة