لن ندفع فلسا.. الفلسطينيون يرفضون قانون الضمان لغياب ثقتهم بالسلطة

الفلسطينيون عبّروا عن رفضهم لقانون الضمان الاجتماعي في تظاهرة حاشدة برام الله منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي (الجزيرة)
الفلسطينيون عبّروا عن رفضهم لقانون الضمان الاجتماعي في تظاهرة حاشدة برام الله منتصف أكتوبر/تشرين الأول الماضي (الجزيرة)

ميرفت صادق-رام الله

في مظاهرة حاشدة ضد قانون الضمان الاجتماعي أمام مقر الحكومة الفلسطينية برام الله قبل أيام، اعتلت المعلمة سمر حمد منصة الخطابة، وقالت "لن أقتطع فلسا واحدا عن أطفالي لأعطيه للحكومة".

وتقول حمد إنها تتلقى راتبا بسيطا وتعيل أربع بنات، وترفض الاقتطاع من راتبها لصالح صندوق الضمان الاجتماعي الذي قررت السلطة الفلسطينية تفعيله ليشمل أكثر من مليون فلسطيني عاملين في القطاع الخاص والأهلي.

وتعمل سمر منذ تسع سنوات، وهي في منتصف الثلاثينيات من عمرها، وعليها أن تبلغ سن الستين حتى تحصل على راتب تقاعدي بحسب القانون الجديد.

وسمر حمد واحدة من عشرات آلاف المحتجين على القانون في الشهرين الأخيرين، وهي تعتقد أن نسبة الفقر ستزداد، حيث يفرض القانون الجديد اقتطاع 7% من رواتب العاملين و9% من المشغلين عن كل موظف لصالح صندوق الضمان.

وبعكس الحوارات التي تجريها الحكومة مع ممثلي القطاع الخاص والنقابات للوصول إلى تعديلات مرضية في القانون، تقول أغلبية كبيرة من العاملين إن صندوق الضمان لا ضمانة فيه على حفظ أموالهم في ظل ظروف سياسية واقتصادية غير مستقرة.

وكان من المقرر أن يبدأ سريان مفعول قانون الضمان الاجتماعي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، حيث أقرته الحكومة الفلسطينية بمصادقة رئيس السلطة عام 2016، لكن الاحتجاجات الواسعة من ممثلي القطاع الخاص والعاملين فيه دفعت الحكومة للتراجع في الأيام الأخيرة، وقررت عدم إلزامية تطبيقه حتى منتصف يناير/كانون الثاني المقبل مع استمرار الحوار حوله.

وبحسب رئيس صندوق الضمان مأمون أبو شهلا، فإن 23 ألف شخص انضموا إليه من بين نحو مليون موظف وعامل يستهدفهم القانون في الضفة الغربية وقطاع غزة.

إسقاط القانون
وفي ظل ذلك، رفعت الأصوات التي كانت تطالب بتعديل القانون سقفها إلى حد المطالبة بإسقاطه، ودعا المتحدث باسم "الحراك الرافض لقانون الضمان الاجتماعي بصيغته الحالية" عامر حمدان الحكومة إلى تجميد العمل بالقانون قبل طرحه للحوار ودون سقف زمني.

وأعلن صندوق الضمان الاجتماعي أن إنجازه الكبير سيكون الحصول على تعويضات لآلاف العمال الفلسطينيين في المصانع الإسرائيلية، والتي تنص الاتفاقيات الاقتصادية على أن تقوم إسرائيل بتحويلها إذا أنشأ الفلسطينيون صندوقا للضمان الاجتماعي وفق المعايير الدولية.

العمال يريدون إسقاط القانون ولا يرضيهم استعداد السلطة لتعديله (الجزيرة)

لكن حمدان يشكك في جدية الاحتلال في تحويل أموال العمال، ويضيف أن "فلسطين ليست دولة ولا زالت تحت الاحتلال، ولا ثقة بين المواطن والحكومة بسبب تجارب سابقة شهدت فسادا واضحا".

ويرى الحراك أن القانون يضم "بنودا مجحفة" مرتبطة بتأمين إصابات العمل وعدم جاهزية الصندوق لتغطيتها بالتنسيق مع شركات التأمين والمستشفيات، ويعتقد أن نسب الاقتطاع من الرواتب عالية وليست مرتبطة بغلاء المعيشة.

غير أن الأهم بالنسبة لمعارضيه هو "غياب ضامن لحفظ أموالهم واستثمارها بصورة آمنة، في ظل معاناة السلطة من أزمات مالية بسبب الضغوط السياسية".

ويعتقد الحراك أن قانون الضمان يوفر تسهيلات للمستثمرين الخارجيين، ويعطي إمكانية اقتراض الحكومة من صندوق الضمان بطريقة غير مباشرة، إلى جانب عدم تشكيل محكمة لفض النزاعات المرتبطة به، وعدم نشر اللوائح التنفيذية للقانون قبل تطبيقه.

ويقول القائمون على صندوق الضمان إنه صمام الأمان الوظيفي والتقاعدي للفقراء والمهمّشين ولمئات آلاف العاملين في القطاع الخاص.

ويشدد مدير عام صندوق الضمان أسامة حرز الله على أن "مؤسسة الضمان ستكون مستقلة ماليا وإداريا، ولن تتأثر بالضغوط السياسية التي تتعرض لها السلطة أو بضغوط الاحتلال".

وقال "إن قانون الضمان وضعه بشر ويمكن تعديله بحسب الحاجة، لكنه سيكون إلزاميا على كل علاقة بين عامل ورب عمله".

عدم ثقة بالسلطة
لكن النائب في المجلس التشريعي حسن خريشة يقول إن "الجماهير التي تخرج بالآلاف لتنحاز إلى لقمة عيشها تعبر بدقة عن عدم ثقة بالسلطة وبتأمينها على أموالهم"، مستذكرا مصير صندوق الاستثمار الفلسطيني "الذي تعرض لفساد كبير قبل سنوات وأدى إلى اختلاس الملايين من أموال الفلسطينيين".

ونتيجة للضغوط الشعبية والمطالبة بإسقاط القانون أو إدخال تعديلات عليه، انسحبت نقابات مهنية مركزية من عضوية صندوق الضمان الاجتماعي خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال ممثلون عنها إن "تطبيقه سيجفف السيولة لدى الشركات، ويضعها في صندوق لا توجد لدية أية خبرة أو برنامج استثماري".

القائمون على صندوق الضمان يقولون إنه سيكون صمام أمان وظيفي للعمال (الجزيرة)

ودعت كتل برلمانية في المجلس التشريعي إلى تأجيل إلزام الشركات والمؤسسات الفلسطينية بالقانون ستة شهور لاستكمال الحوار حوله.

لكن خريشة دعا إلى تأجيل إنفاذه إلى حين اتخاذ إجراءات من شأنها تعزيز ثقة الجمهور بالسلطة، وقال إن الضمان الاجتماعي صدر بصورة "قرار بقانون" وهو ما ينسحب على الحالات الطارئة وليس على القوانين المصيرية.

فساد وأداء سيئ
ويرجع عضو الائتلاف الفلسطيني لمكافحة الفساد مجدي أبو زيد الرفض الجماهيري للقانون إلى تراجع ثقة الفلسطينيين بالسلطة واهتمامهم بالشأن العام نتيجة عدم إشراكهم في اختيار ممثليهم، إذ إن آخر انتخابات عامة نظمت قبل 12 عاما.

ويشير أبو زيد أيضا إلى "الأداء السيئ للسلطة في إدارة الأزمة"، ففي حين يصرح القائمون على صندوق الضمان باستقلاليته عن الحكومة، فإن الأخيرة هي التي تتصدى للاحتجاجات على القانون وتعين وزيرا منها لرئاسة الصندوق.

وكشف أبو زيد عن استطلاع رأي حديث أجراه الائتلاف، يظهر أن نحو 80% من الفلسطينيين يعتقدون بوجود فساد في المؤسسات الفلسطينية، فيما يعتقد 70% أن الفساد في ازدياد وأن كبار الفاسدين يفلتون من العقاب.

المصدر : الجزيرة