الاعتداء على المصريين بالخارج.. حوادث فردية أم ظاهرة متصاعدة؟

مصريون أمام أحد مكاتب توفير فرص عمل بالخارج (الجزيرة)
مصريون أمام أحد مكاتب توفير فرص عمل بالخارج (الجزيرة)

محمد سيف الدين-القاهرة

"والله طفح الكيل".. بهذه الكلمات علق أحمد سليمان (مصري مقيم بمدينة القصيم السعودية) على تكرار حالات الاعتداء على المصريين العاملين بالخارج في الآونة الأخيرة، والتي يصفها مراقبون بـ "الظاهرة" بينما ترى الحكومة أنها "حالات فردية".

وعاد الحديث عن أوضاع المصريين بالخارج للصدارة بعد سلسلة من الاعتداءات خلال الأيام القليلة الماضية، كان أعنفها مقتل الصيدلي أحمد طه على يد سعودي أثناء عمله بإحدى الصيدليات في مدينة جازان منتصف الشهر الحالي، وسبقها تعرض مصرية وطفلها للاعتداء بالضرب المبرح من قبل أربع نساء كويتيات.

وبعدها عثر على جثة وافد مصري ألقاها سائق تاكسي أمام أحد المستشفيات في الكويت نهاية الأسبوع الماضي.

ولم تقتصر الاعتداءات على المصريين على بعض دول الخليج العربي فقد امتدت إلى ليبيا، حيث تعرض 16 عاملا في مدينة طبرق للخطف على يد رجال أعمال بسبب خلافات مالية، قبل أن يفرج عنهم الخميس الماضي بعد احتجاز دام ثلاثة أيام.

مقتل طه بالسعودية تسبب بحالة غضب شعبي (مواقع التواصل)

تهاون رسمي
سليمان -الذي يعمل بالسعودية منذ عام 2015 مع أشقائه الثلاثة في مجال التشييد والبناء، لم يرق له التعامل الحكومي مع الاعتداءات المتكررة على المصريين بالخارج، والذي لم يخرج عن بيانات الشجب والإدانة.

وتمنى في حديثه للجزيرة نت أن تصل ردود فعل الحكومة لتطلعات المغتربين، وعلى رأسها سرعة التدخل لإنهاء أي مشكلة قد يعترض لها الوافد.

ولكن هذا التأخر عزته وزيرة الهجرة والمصريين بالخارج السفيرة نبيلة مكرم -في تصريحات صحفية سابقة- لعدم توفر قاعدة بيانات المغتربين للمسؤولين والجهات الحكومية، وهي ما تقوم عليه حاليا.

وترى الوزيرة أن قاعدة بيانات المصريين في الخارج ستساهم بشكل كبير في سرعة حل مشاكلهم بسبب توفر وسائل اتصال بهم، وهو ما شكك فيه الشاب الثلاثيني متسائلا "هل المشكلة في جمع بياناتنا أم طريقة التعاطي الحكومي معنا؟".

وزير القوى العاملة د. محمد سعفان وصف الحوادث الأخيرة -وفي مقدمتها مقتل الصيدلي- بأنها فردية يمكن أن تحدث في أي دولة بالعالم، لافتا إلى أن المملكة السعودية اتخذت كل الإجراءات القانونية اللازمة بهذه القضية.

ومع تزايد الانتهاكات بحق "المغتربين" تحول حلم السفر للسعودية (أكبر الدول العربية والخليجية استقبالا للعمالة المصرية) إلى كابوس، وهو ما دفع الطبيب المصري محمد فودة إلى مغادرة الرياض بعد فترة عمل دامت أكثر من 17 عاما.

ويبلغ عدد المصريين بالسعودية نحو 2.9 مليون شخص بنسبة 46.9% من المصريين المقيمين بالدول العربية، وفق تقديرات رسمية.

ولا تعد الانتهاكات السبب الرئيسي وراء عودة فودة لمصر، مشيرا إلى أن العمالة المصرية بالسعودية تعاني من ارتفاع الضرائب المفروضة على الوافدين، وخطة السعودة التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان.

واستنكر -في حديثه للجزيرة نت- تجاهل وسائل الاعلام بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة لمشاكل "المغتربين" لافتا إلى أن هناك انتهاكات كثيرة بحقهم لا يسلط الضوء عليها، وهو ما عزاه أيضا لخوف الوافد من "المشاكل" والتي قد تدفع الكفيل لترحيله تحت أي مسمى.

وأوضح أن "المغترب" يؤْثر السلامة في أغلب الأوقات ليحافظ على عمله الذي تكبد عناء ومشقة السفر من أجل الحصول عليه، ليظل محصورًا بين نيران التزاماته ومسؤولياته المادية في مصر وبين متطلبات الكفيل التي لا تنقطع.

المركزي أكد ارتفاع تحويلات المغتربين هذا العام بنسبة 20% (الجزيرة)

الأسباب والتداعيات
وحول صعيد الأسباب التي تقف وراء تزايد الانتهاكات بحق المصريين في الخارج، يقول الصحفي المغترب أحمد عبد الرحمن إنها مرتبطة بنظرة الدونية التي يجدها المصري بالخارج وخاصة لدى الخليجيين.

ولفت الصحفي الشاب -في تصريحات للجزيرة نت- إلى أن هذه النظرة نمت مؤخرا بعهد الرئيس عبد الفتاح السيسي لاعتماد نظامه على الدعم المالي من دول الخليج "الرز" لاستقراره بالحكم بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في يوليو/تموز 2013.

ووصل الدعم الخليجي للاقتصاد المصري 23 مليار دولار منها 12 مليارا ودائع في البنك المركزي لوقف تدهور الاحتياطي الأجنبي، وفق تقديرات إعلامية.

من جهته تساءل د. محمد جمال حشمت نائب رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب السابق: كيف لنظام لا يعبأ بكرامة مواطنيه بالداخل أن يدافع عنهم في الخارج؟

ويصف البرلماني السابق -في تصريح للجزيرة نت- الاعتداء على المصريين بهذه الاستهانة "دون إحساس بذنب أو خجل أو خوف من العقاب" بأنه نتاج "الثورة المضادة والانقلاب العسكري".

بدوره يحذر الكاتب والباحث أبو الفتوح قنديل من الأسلوب الذي تتبعه السلطات في إدارة أزمات المغتربين، مشيرا إلى أنه سيؤدى إلى آثار سلبية يأتي على رأسها فقدان الثقة بالحكومة وبالتالي خسارة جزء كبير من رأس المال الاجتماعي.

وتعد تحويلات المغتربين مصدرا هاما للعملات الأجنبية إلى جانب دخل قناة السويس وإيرادات السياحة، وقد ارتفعت تلك التحويلات هذا العام بنسبة 20% على أساس سنوي إلى 1.8 مليار دولار في سبتمبر/أيلول الماضي.

المصدر : الجزيرة