تلغرام في إيران.. لعبة كرّ وفرّ لا تنتهي

إيرانية تتواصل مع ابنتها عبر أحد التطبيقات (رويترز)
إيرانية تتواصل مع ابنتها عبر أحد التطبيقات (رويترز)

الجزيرة نت-طهران

دون أن يتحمل أي تكاليف مالية أو رسوما قانونية، ويسلك بيروقراطية "قاتلة"، ويخصص مكانا وفضاء ماديا، أصبح الصحفي الإيراني الإصلاحي فريد مدرسي يملك بهاتفه المحمول منبرا إعلاميا معتبرا على خدمة "تلغرام"، يخاطب به قرابة تسعة آلاف إيراني، قد لا تصلهم صحيفة أو موقع إخباري أو أصلا لا تروقهم تلك المنابر "التقليدية" مفضلين وسائل تواصل جديدة.

ينشر مدرسي يوميا مقالاته القصيرة وتجاربه الصحفية الشخصية على قناته عبر هذه المنصة مع كثيرين من أمثاله الإصلاحيين أو الأصوليين، ممن خاضوا هذه التجربة التي اصطدمت بجدار الحظر خلال الأشهر الماضية، إلا أنهم لم يستطيعوا الاستغناء عن هذة الوسيلة، فبقوا فيها مقاومين إلى جانب عشرات الملايين من الإيرانيين.

وتزايد الحديث عن إغلاق تلغرام بعد احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي، التي لعبت فيها القنوات المعارضة على التطبيق دورا كبيرا في إشعالها واتساع رقعتها، حسب مصادر أمنية.

وهو ما أشار إليه الرئيس السابق للجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي صراحة، عندما قال إن تلغرام لعب دورا مدمرا في تلك الأزمات وبات يهدد الأمن القومي الإيراني.

وفي حكمها على شركات الإنترنت لإغلاق التطبيق، عزت السلطة القضائية ذلك إلى وقوع عشر مخالفات، تعتبر أسبابا للحظر في الوقت نفسه. أهم تلك المخالفات "تهديد الوحدة الوطنية وإحداث الشرخ بين شرائح المجتمع"، و"تحريض الناس على الفوضى والشغب"، و"جمع المعلومات عن المواطنين الإيرانيين والبلد ووصول الأجانب إليها"، و"التجسس لصالح الأجانب".

تطبيق تلغرام كما يظهر على شاشة هاتف ذكي (غيتي)

بعد ذلك، لم تصمد الحكومة في مواجهة الضغوط من مختلف الجهات، فقررت في مطلع مايو/أيار الماضي حظر استخدام تلغرام وإغلاقه. أعقبه قيام المسؤولين والمؤسسات الرسمية ووكالات الأنباء بالانسحاب الفوري من التطبيق عبر إغلاق قنواتهم والخروج من المجموعات. ورغم ذلك، ظل يستخدمه مسؤولون إيرانيون، كان أبرزهم حسام الدين آشنا مستشار الرئيس الإيراني والذي حافظ على قناته.

وسبق الحظر دعاية مكثفة من وسائل الإعلام الرسمية، في مقدمتها قنوات التلفزيون الإيراني الرسمي، لحث المواطنين الإيرانيين على الانسحاب من تلغرام واستعمال تطبيقات بديلة داخلية مثل "سروش" و"آيتا" و"آي بك".

مقاومة الحظر
ولم تمر أيام فإذا بالإحصائيات تكشف عن إقبال ضعيف جدا على التطبيقات الداخلية، تعزوه مصادر إيرانية إلى ضعفها فنيا من جهة وعدم الثقة فيها أمنيا من جهة أخرى.

وتقول تلك المصادر إن الإيرانيين المستخدمين لتلغرام -والبالغ عددهم 44 مليونا كما أنهم الأكثر استخداما له في العالم- واجهوا مشاكل وصعوبات في استخدامه خلال أيام الحظر الأولى، مما قلص العدد قليلا، إلا أنهم وجدوا الطريق لتجاوزه باللجوء إلى برامج فك التشفير والحظر كونهم يمتلكون التجربة الكافية في هذا المجال منذ حظر شبكات التواصل العالمية في إيران مثل تويتر ويوتيوب وفيسبوك.

وبعيد إغلاق تلغرام، نشر وزير الاتصالات الإيراني المعارض للحظر بيانات، قال إنها تؤكد أنه على الرغم من قرار الحظر عاد التطبيق إلى أيام الذروة في إيران بسبب استخدام برامج فك التشفير.

مهندس إنترنت في طهران (رويترز)

ويؤكد استطلاع للرأي أجراه مركز "إيسبا" الإيراني لقياس الأفكار بعد قرابة شهر من سريان قرار الحظر، أن 79% من مستخدمي تلغرام لم يغادروه بعد الإغلاق، ثم إن تطبيق واتساب شهد إقبالا متزايدا خلال هذه المدة حيث ارتفع عدد مستخدميه في إيران بنسبة 25%، مما يؤكد أن من تركوا استخدام هذا التطبيق لم يقبلوا على التطبيقات الداخلية، بل اتجهوا نحو تطبيقات خارجية بديلة.

وعلق الناشط السياسي الإصلاحي البارز مصطفى تاج زادة على تهديدات قضائية "أقول للنائب الأول للسلطة القضائية سواء اعتبرتم ذلك جرما أو لا، فنحن سنبقى في تلغرام، وإن قررنا يوما ما مغادرته لن نأتي إلى التطبيقات التي تريدونها".

بعد انتشار واسع لبرامج فك التشفير بين الإيرانيين، اتهمت نخبة وصحف إيرانية السلطات التي اتخذت قرار الحظر ودعاته بتسهيل وصول الشباب الإيرانيين إلى المواقع الإباحية والمواقع السياسية المحظورة للمعارضة في الخارج في العالم الافتراضي من خلال دفعهم إلى تحميل تلك البرامج على هواتفهم، مما جعل تلك المواقع في متناول اليد بسهولة.

فشل مدوٍ
وأدركت السلطات الإيرانية "المحافظة" أن قرار إغلاق تلغرام فشل سريعا وجاء بنتائج عكسية بعد أن وجدت نفسها أمام تفرد خصومها السياسيين في الداخل والمعارضة في الخارج بالتطبيق ونشر إنتاجاتهم الخاصة ونشر إشاعات موجهة من الخارج دون أن تكون هناك ردود عليها.

كما أنها اكتشفت أن التطبيقات الداخلية لم تلق إقبالا مأمولا، إذ لم يتجاوز عدد مستخدميها ستة ملايين شخص مقابل 44 مليونا ظلوا يستخدمون تلغرام وهم في تزايد مستمر، مما أجبر الأصوليين على تراجع صامت في بادئ الأمر.

مقهى إنترنت في طهران (رويترز)

وأكد ذلك انتشار ظاهرة "تلغرام السري" بين الإيرانيين، حسب تقرير لوكالة إيسنا للأنباء صدر في يونيو/حزيران الماضي. أعقبته عودة خجولة لشخصيات أصولية، على رأسهم النائب السابق حميد رسائي الذي كان من دعاة الحظر، لكنه عاد وفتح قناته في تلغرام في أغسطس/آب الماضي.

ثم عادت أهم وكالات الأنباء المحافظة مثل وكالتي فارس وتسنيم للأنباء في الشهر الحالي إلى تلغرام "رسميا ومعلنا"، مما اعتبره النشطاء وصحف إيرانية إصلاحية تأكيدا عمليا على فشل ذريع لسياسة الحظر، لم تقلل تبريرات العائدين شيئا من الانتقادات "الهجومية"، والتي فسرت على أنها "أعذار أغرب من الذنب".

ومن جانبهم اعترف أصوليون بهذا الفشل، حيث قال النائب الأصولي محمد علي بورمختار في معرض رده على سؤال بهذا الشأن إن الحظر فشل، لكنه في الوقت نفسه حمل الحكومة مسؤولية ذلك بقوله إنها لم تدعم التطبيقات الداخلية.

واليوم يلقى تطبيق تلغرام مصير منصات تواصل أخرى مثل تويتر، التي رغم وجود قرار قضائي بحظرها فإنها مستخدمة في إيران، ومن أبرز مستخدميها الرئيس الإيراني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف وشخصيات أصولية وإصلاحية أخرى.

المصدر : الجزيرة