الفلكي الكويتي صالح العجيري.. ذاكرة يافعة على أعتاب المئة

هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

الفلكي الكويتي صالح العجيري.. ذاكرة يافعة على أعتاب المئة

صالح العجيري كان شاهدا على كثير من أحداث بلده والمنطقة (الجزيرة نت)
صالح العجيري كان شاهدا على كثير من أحداث بلده والمنطقة (الجزيرة نت)

نادية الدباس-الكويت

"لقد بلغت من الكبر عتيا، أنا رجل جئتكم من الماضي من مستهل القرن العشرين، جاوزت 98، أرى بعين واحدة، وأسمع بأذن واحدة، وأمشي على قدم واحدة، والحمد لله على آلائه ونعمائه". هكذا يستهل الفلكي الكويتي صالح العجيري حديثه.

العجيري -الذي ولد في يونيو/حزيران 1920- يعده الكويتيون ذاكرة بلادهم الحية؛ إذ كان شاهدا على كل الأحداث التي وقعت في الكويت خلال القرن الماضي، ومن بينها اكتشاف النفط الذي نقل البلاد من نمط إلى آخر على الصعد كافة.

يتذكر العجيري دخوله عالم الفلك حين كان يخاف من الظواهر الطبيعية كالرعد ووميض البرق والمطر، فكانت دافعا لشغفه بدراسة الفلك من باب "اعرف عدوك"؛ ليقف على كيفية التعامل معه.

يعود أول فلكي كويتي إلى ذكريات صباه عندما أودعه أبوه في صغره لدى قبيلة "الرشايدة" في البادية، فتعلم منهم الفصول والمواسم وكل ما يتعلق بالجو، مما شكل حافزا إضافيا له للاهتمام بالفلك وظواهره.

كانت تلك بذور اهتمامه بعلم الفلك حتى وقع كتاب بين يديه بعنوان "المناهج الحميدية في حسابات النتائج السنوية"، فقرأه وفهم أغلبه، لكنه توقف أمام بعض ما استشكل عليه، لتبدأ رحلة الطلب الطويلة التي لم تنته حتى الآن.

العجيري أنشأ مرصدا فلكيا على نفقته الخاصة مطلع ثمانينيات القرن الماضي (الجزيرة نت)

قرر العجيري أن يرحل بنفسه ليلتقي مؤلف الكتاب، وكان أحد أساتذة الأزهر في مصر، ويستفسر منه عما استشكل عليه، ولأن الطائرات لم تكن متوفرة آنذاك في المنطقة، فاستقل سيارة من الكويت إلى البصرة، ومنها إلى بغداد بالقطار، ومن بغداد إلى بيروت بالسيارة، التي أبحر منها إلى الإسكندرية، ومنها بالقطار مرة أخرى إلى القاهرة، ثم محافظة الشرقية، واضطر للركوب على ظهور الدواب حتى وصل غايته، والتقى مؤلف الكتاب، وحادثه واستفاد منه كثيرا ليدله بعد ذلك على أحد تلامذته في القاهرة، ويدعى عبد الفتاح وحيد.

رحل العجيري بعدها إلى القاهرة ليطلب العلم على يدي وحيد، الذي كان أكثر من علّمه بداياته في علم الفلك وحساب اللوغاريتمات، ليلتحق بعد ذلك بمرصد حلوان، ويشهد افتتاح مرصد القطامية، ومن ثم اتسعت بعدها دائرة اتصالاته بالمراصد العالمية، ومن أشهرها مرصد "غرينيتش" في بريطانيا، ومرصد البحرية الأميركية.

بدأ العجيري إصدار تقويم يحمل اسمه "روزنامة العجيري" بدءا من عام 1952، وفي أوائل سبعينيات القرن الماضي أنشأ مرصدا على نفقته الخاصة، واشترى أجهزته من كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، وتقديرا لما قام به في علم الفلك وحفظ التراث منحته جامعة الكويت درجة الدكتوراه الفخرية عام 1981.

مسيرة العجيري كوفئت بعشرات الأوسمة والدروع والشهادات تقديرا لعطائه العلمي (الجزيرة نت)

كان العجيري محبا للعلم منذ مهده، إذ كان والده يحمله على كتفه إلى المدرسة حيث عمل معلما، وعلى كتف الوالد تشرب الولد أحرف الهجاء وأسس الحساب، فكان متفوقا بين أقرانه في المدرسة المباركية التي تخرج فيها عام 1942.

اختارت دائرة المعارف آنذاك العجيري للعمل مدرسا في مدرسة الشرقية للبنين، وهناك كان له موقف طريف مع أمير الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الصباح، ويقول: "كان لكل مدرس يوم في الأسبوع يصبح فيه مسؤولا عن النظام في المدرسة، وعندما جاء دوري في أحد الأيام، أحدث التلاميذ هرجا ومرجا أثناء الاستراحة، حاولت تهدئتهم بقرع الجرس النحاسي الذي كنت أحمله، ولما لم أفلح دفعني غضبي إلى أن أضرب أقرب تلميذ مني، وبعد سنوات جمعني لقاء مع أبناء الشيخ أحمد الجابر الصباح، ورويت لهم هذه القصة، متسائلا: هل تعلمون من الطفل الذي ضربته؟ ليبادر الشيخ صباح الأحمد بالقول: أنا أنا أنا".

عاصر العجيري أحداثا مفصلية، من بينها الحرب العالمية الثانية، التي يذكر أنه خلال إحدى سنواتها خُصصت مواد تموينية لكل شخص يحصل عليها بموجب بطاقات، ومن هنا أطلق الكويتيون على ذلك العام "عام البطاقة".

وخلال الحرب أيضا، نُصبت صفارات إنذار للتحذير من الغارات الجوية، ولأن الكويت كانت بعيدة عن مسرح العمليات، فلم تستخدم تلك الصفارات لغايتها، لكنها استخدمت لاحقا للتعريف بمواعيد الإفطار والسحور والأعياد بدل مدفع رمضان.

العجيري يحظى بمكانة كبيرة بين المعنيين بعلوم الفلك (الجزيرة نت)

يعقد العجيري مقارنة بين حياة الماضي والحاضر، فيرى أن الحياة في السابق كانت أبسط وأجمل، وكان الناس أكثر ترابطا، وذلك رغم ما اعتراها من ضيق في العيش وشح في الموارد، لكنه يؤكد أن الكويت كانت أفضل حالا من جيرانها، لامتلاكها أسطولا من السفن الخشبية التي كانت تجوب أهم الحواضر التجارية في الهند وأفريقيا، جالبة معها كل ما يحتاجه سكان البلاد.

في عام 1935 كانت الكويت على موعد مع النفط الذي ظهر لأول مرة في شمال البلاد بموقع يسمى عين بحرة، ليكون الحدث الذي غيّر وجه البلاد.

اهتمامات العجيري لم تنحصر في علوم الفلك فحسب، بل سجل أيضا اعتناء بالقضايا العربية، وقام في 2006 بعرض حقيبته المدرسية -التي اشتراها عام 1927 بـ75 فلسا- في مزاد علني لتباع بمبلغ 660 ألف دولار تبرع بها للمتضررين من الشعب اللبناني جراء الحرب مع إسرائيل.

قبل ثلاث سنوات، توقف العجيري -أحد أبرز الفلكيين العرب- عن استخدام أجهزة مرصده، وأبقى بعضها في متحف صغير داخل منزله، وسلم معظمها إلى النادي العلمي الكويتي، الذي خصص لها جناحا أطلق عليه "متحف العجيري"، لكنه لم يتوقف عن رفد الكويتيين بالتطورات المهمة للطقس كما اعتاد أن يفعل دوما.

وإن كان الزمن ترك أثره الغائر على حواس العجيري، فإنه لم يتمكن من ذاكرته التي تسعفه في استرجاع كل ما مر به من أحداث على مدى أعوامه 98.

المصدر : الجزيرة