اغتيال خاشقجي.. ماذا بعد اتهام سي آي أي لمحمد بن سلمان؟

قد تدفع هذه التطورات المثيرة بإزاحة محمد بن سلمان من ولاية العهد حسب المحللين (الأناضول-أرشيف)
قد تدفع هذه التطورات المثيرة بإزاحة محمد بن سلمان من ولاية العهد حسب المحللين (الأناضول-أرشيف)

بعد شهر ونصف على مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول، يأتي الكشف أن وكالة الاستخبارات الأميركية (سي.آي.أي) خلصت إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان هو من أمر بقتل خاشقجي، ليمثّل أوضح اتهام مباشر للأخير، وليطرح أسئلة بشأن ما بعده.

ومنذ ساعات تتوالى المعلومات والأخبار بشأن الاستنتاج الذي توصلت إليه وكالة السي.آي.أي، وسط تخمينات بشأن الخطوة التي تلي هذا الكشف.

ومن الواضح أن حديث وسائل الإعلام الأميركية الكبرى بشأن المعلومات الاستخباراتية الجديدة التي تضع ولي العهد في مواجهة تهمة الأمر بالقتل، ينسف أي رواية سعودية بشأن براءته من دم خاشقجي، وربما سيعرقل أي محاولة من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمحافظة على علاقة طيبة مع ولي العهد السعودي، أو التستر على صلته بجريمة الاغتيال.

وبينما يعتقد متابعون ومراقبون للقضية أن هذه التطورات المثيرة من شأنها أن تدفع بإزاحة محمد بن سلمان عن رأس السلطة، يرى آخرون عكس ذلك معولين على دعم عدة أطراف لولي العهد الشاب.

ما تم كشفه يورط محمد بن سلمان مباشرة في قتل خاشقجي (الجزيرة)

خيار الإزاحة
ويرى بروس فاين مساعد نائب وزير العدل الأميركي السابق أن هذه التطورات تدفع المملكة العربية السعودية إلى التفكير بطريقة جدية يمكن من خلالها إزاحة ولي العهد من منصبه، لأن وجوده في هذا المنصب يضع البلاد بأسرها في خطر كبير. ولا يتمثل هذا الخطر فقط فيما يتعلق بعلاقة الرياض بواشنطن، ولكن بعلاقاتها الدولية مجملا.

وبحسب فاين فإن الغضب الذي يتصاعد ضد السعودية قد يؤدي إلى طردها من الجمعية العامة للأمم المتحدة إذا بقيت مصرة على عدم خضوعها لأي تحقيق دولي في الموضوع.

ولا يعتقد المتحدث ذاته أن الرياض ستخاطر بثلاثين مليون سعودي مقابل إنقاذ شخص واحد هو محمد بن سلمان المغضوب عليه لاستئثاره بالسلطة، مجددا التأكيد أن السعودية في نهاية المطاف ستسلّم ولي العهد إلى السلطات الدولية أو إزاحته من منصبه، وبالتالي تجريده من كل صلاحياته وسلطاته.

مقر القنصلية السعودية في إسطنبول أين نفذت جريمة خاشقجي (غيتي)

انفجار وتأثيرات
وغير بعيد عما خلص إليه فاين، يرى الكاتب والمحلل السياسي عمر عياصرة أن ما نشرته كبريات وسائل الإعلام الأميركية بمثابة انفجار قنبلة في وجه القيادتين الأميركية والسعودية على حد سواء، موضحا أن الأمور تغيرت بشكل كبير، خاصة أن هذه المعلومات مصدرها جهة أميركية موثوقة تؤكد ضلوع محمد بن سلمان في عملية قتل خاشقجي وتكذّب الرواية السعودية.

ويرى عياصرة أن هذه المرحلة الجديدة سيكون لها الأثر الكبير في حسم الجدل الدائر في الرياض بشأن بقاء محمد بن سلمان في منصبه أو رحيله، مبينا أن ترامب لن يمكنه التستر على ولي العهد السعودي بعد اليوم.

وتتفق عدة قراءات بشأن ما كشفت عنه كبريات وسائل الإعلام الأميركية، على أن قضية خاشقجي انتقلت إلى مرحلة جديدة لن تكون كسابقتها، فضلا عن أن هذا الكشف قد يضع الإدارة الأميركية في مأزق إذا حاولت التستر على صلة محمد بن سلمان بالجريمة، وسيضاعف ضغوط الكونغرس لاتخاذ إجراءات صارمة بشأن المسؤولين عن هذه الجريمة.

محاسبة الجميع
ويصب تصريح مايك بنس نائب الرئيس الأميركي في هذا الاتجاه، حيث أكد على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (أبيك) في بابوا غينيا الجديدة؛ أن "الولايات المتحدة عازمة على محاسبة جميع المسؤولين عن عملية القتل تلك"، رغم أن بنس رفض التعليق عما كُشف عنه من معلومات سرية.

وفي انتظار موقف أميركي ودولي أكثر وضوحا، يذهب الخبير في شؤون الأمم المتحدة عبد الحميد صيام إلى القول بأنه على الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش التعامل مع الطلب التركي بأن يكون هناك تحقيق دولي في القضية.

وبيّن أن هذه الجريمة كبرى وفيها انتهاك للقانون الدولي، وأن جميع المؤشرات تدفع إلى تشكيل فريق تحقيق دولي، وفي حال اعتراف المتهم الرئيسي (محمد بن سلمان) بالجريمة فسيُعفى الأمين العام من التحقيق الدولي، مؤكدا أنه لا يوجد أمام السعودية سوى خيارين: إما الاعتراف بالجريمة أو الاستجابة للتحقيق الدولي.

محمد بن سلمان قد يعوّل على دعم حلفائه ومنهم صهر الرئيس الأميركي (رويترز)

أوراق وحلفاء
غير أن أستاذ الدراسات الدولية بجامعة "جونز هوبكنز" الأميركية إداورد جوزيف يرى أن السعودية تمتلك أوراقا مهمة من شأنها أن تجعلها في موضع قوي نسبيا، وتتمثل في أنها منتج أساسي للنفط، والدولة العربية السنية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في مواجهة إيران، خاصة أن عزل طهران بالنسبة لواشنطن يمثل أولوية أساسية.

وغير بعيد عن هذا التقدير، يرى البعض أن لمحمد بن سلمان حلفاء وأوراقا أخرى يمكن أن يعوّل عليها وقد تمثل له طوق النجاة، من ذلك جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي الذي تربطه به علاقة حميمية، والذي يعد محامي ولي العهد السعودي في البيت الأبيض.

كما أن الرجلين يشتركان في رغبتهما في إنهاء القضية الفلسطينية عبر هندسة ما يعرف بصفقة القرن.

كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد يحاولان مرة أخرى التواصل مع الإدارة الأميركية للدفاع عن محمد بن سلمان ودعمه باعتباره "شريكا إستراتيجيا مهما في المنطقة".

لكن هذه التقديرات -وإن حاولت تقييم الوضع الحالي- لا تجيب عن كل التساؤلات بشأن القضية المتشعبة وتداعياتها، خاصة مع تصاعد الضغوطات السياسية والأمنية والأخلاقية على الرئيس ترامب الذي يبدو أنه دُفع للسماح بكشف هذه المعلومات، مما يجعل مصير محمد بن سلمان في مهب الريح.

المصدر : الجزيرة + وكالات