عـاجـل: رويترز عن وزير الإعلام السوداني: يمكن إرسال البشير إلى لاهاي لمحاكمته هناك أو يحاكم في الخرطوم أمام محكمة مختلطة

لغة التخفّي السعودية.. أشباح وروبوتات قتلت خاشقجي

سيد أحمد الخضر

مستشار ومسؤول ومواطن وقائد مهمة ورئيس مجموعة؛ صفات لم تقرن بأسماء في بيان أصدرته النيابة العامة السعودية الخميس بشأن المتورطين في مقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

بعد أسابيع من الإنكار، توصّلت دوائر صنع القرار في الرياض إلى أنه لا مناص من الاعتراف بمقتل خاشقجي، وتأكيد صدقية الرواية التركية حول تقطيع جثته والتخلص منها.

لكن اللغة السعودية لم تتخلص من حمولة الإنكار، وبدت كل مفردة من البيان مغلّفة بالذنب والرغبة في التنكّر والتواري عن الأنظار.

طريقة التخلص من جثة خاشقجي، انعكست على مداد الحبر الذي كتب به البيان من حيث إمكانية محوه والسعي لطمسه قبل أن يطلع عليه الناس، وتقديم القتلة، كما لو أنهم أشباح، وأحيانا روبوتات تتصرف آليا دون الرجوع لأي أحد.

يقول البيان في فقرته الأولى إن "الواقعة" بدأت في 29 سبتمبر/أيلول الماضي "عندما صدر أمر باستعادة المجني عليه بالإقناع، وإن لم يقتنع يعاد بالقوة، وأن الآمر بذلك هو نائب رئيس الاستخبارات العامة السابق، الذي أصدر أمره إلى قائد المهمة".

من أول فقرة بدأ التخفي والتحايل، فقد عبر البيان "بالواقعة"، في حين المقام يقتضي القول "بدأ التخطيط"، لأن الواقعة لا تبدأ إنما تحصل، ثم إنها وقعت في إسطنبول وليس في الرياض.

فعلا، السعودية اعترفت بالتخطيط للقتل، لكن من كتبوا البيان ما زال الخوف يتملكهم من العلانية، ويتوارون خلف الحروف والمفردات.

ومع أن السعودية قررت أن تضحي رسميا باللواء عسيري، فإن البيان رفض ذكره بالاسم، واكتفى في كل مرة بالقول النائب السابق لرئيس الاستخبارات.

ووردت مفردة "السابق" ثماني مرات في البيان؛ لكون النيابة لم تجرؤ على ربط أفعال الجرم باسم عسيري وسعود القحطاني، ربما لأنهما كانا مقربين من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وتخفّت النيابة وراء أدوات التعريف دون مسوّغ عندما تعلق الأمر برئيس خلية التخطيط للقتل، حيث عبر عنه البيان بقائد "المهمة"، دون ذكر اسمه أو صفته، ومن دون أن تسبق له الإشارة في النص.

وتكررت مفردة "المهمة" ثماني مرات في البيان، بينما غابت العبارات المتعارف عليها في هذا المجال من قبيل الخلية، وفريق القتل، والجناة.

تعابير كاشفة
في الفقرة الرابعة، خذلت اللغة كتبة البيان، فقد أرادوا التهوين من دور المستشار السابق (القحطاني)، في حين أكدوا أنه الموجه والمحرض والآمر والناهي.

تتجلى محورية القحطاني في قول البيان "المستشار المذكور التقى قائد المهمة وفريق التفاوض ليطلعهم على بعض المعلومات المفيدة للمهمة بحكم تخصصه الإعلامي واعتقاده أن المجني عليه تلقفته منظمات ودول معادية للمملكة، وأن وجوده في الخارج يشكل خطراً على أمن الوطن، وحث الفريق على إقناعه بالرجوع وأن ذلك يمثل نجاحاً كبيراً للمهمة".

ولئن كانت اللغة خذلت النيابة العامة في الفقرة الرابعة، فإن المنطق فضحها في الفقرتين الخامسة والسادسة.

فبعد أن بدا عسيري والقحطاني يمسكان خيوط القضية؛ انقلب عليهما قائد المهمة حتى قبل أن يغادر الفريق الرياض، حيث استعان باختصاصي جنائي دون أن يحصل هذا الأخير على إذن من رئيسه في العمل.

يريد البيان إقناع العالم بأن خبيرا جنائيا وافق على السفر للمشاركة في عملية خطيرة دون أن يصدر له أمر من أي جهة رسمية.

في الفقرة السابعة، جاء كتبة البيان بصفة جديدة هي "رئيس مجموعة التفاوض"، لكن الخوف من الانكشاف ما زال مسيطرا على اللغة فلم يذكروا اسم هذا الشخص.

رئيس المجموعة قدمته اللغة على أنه روبوت شرير، فهو أولا بدون اسم، وثانيا يتصرف آليا من تلقاء نفسه، وثالثا لا يتردد في اتخاذ قرار القتل عند أبسط العقبات.

وتوالى النفور من الأسماء في باقي الفقرات، فرغم أن اسم خاشقجي يتردد يوميا في كل أرجاء العالم، فإن النيابة فضلت الإشارة إليه في الفقرة الثامنة بالمواطن المجني عليه عندما اعترفت بتقييده وحقنه وقتله".

لغة التجار
وفي الفقرة التالية "تم التوصل إلى الآمر والمباشرين للقتل وعددهم (5) أشخاص اعترفوا بذلك وتطابقت أقوالهم"، ولكن لم تُذكر أسماؤهم أيضا.

وعندما وصل البيان إلى التخلص من الجثة في الفقرة العاشرة، فضل لغة التجّار الصغار على معجم الجزّارين، فاستخدم تعبير "التجزئة" بدل التقطيع.

ربما تهدف لطافة التعبير إلى احترام آدمية الضحية، ولكن لا يمكن فصلها عن سياق التهوين من الجريمة الوحشية ومحاولة قتل زخمها بحروف التستّر والخجل.

ومن الفقرة 11 إلى 16، سردت النيابة وقائع تعطيل الكاميرات بالقنصلية، ونقل الجثة خارجها، والتخلص من ملابس المواطن المجني عليه.

واختار الكتبة تعابير من قبيل: شخص واحد، وشخصان وخمسة أشخاص، وأربعة أشخاص دون أن تذكرهم بأسمائهم أو تنعتهم بصفاتهم.

وخلا البيان من أي اسم، سواء تعلق الأمر بالشخصيات المرجعية في الرياض، أو الفريق الذي سافر إلى إسطنبول لتنفيذ "المهمة".

وبعد "حقبة طويلة" من التخفي وراء متاريس اللغة، برزت النيابة العامة للعلن ومواجهة العالم في الفقرة 17 لتقول إن قائد المهمة ورئيس التفاوض اتفقا على تقديم تقرير كاذب لنائب رئيس الاستخبارات السابق يفيد بأن المواطن المجني عليه خرج من القنصلية بسلام.

المصدر : الجزيرة