سوق البضائع المستعملة في الكويت.. محج للأغنياء أيضا

سوق البضائع المستعملة في الكويت.. محج للأغنياء أيضا

"سوق الجمعة" في الكويت كان يسمى سابقا "سوق المقاصيص" (الجزيرة نت)
"سوق الجمعة" في الكويت كان يسمى سابقا "سوق المقاصيص" (الجزيرة نت)

نادية الدباس-الكويت

طيلة خمسين عاما، اعتاد عادل السعدون (67 عاما) أن يتجول داخل "سوق الجمعة" الخاص بالبضائع المستعملة في الكويت، لينتقي أفضل التحف الموجودة بالسوق الذي يقصده أصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة، إلا أنه أيضا قبلة للميسورين وإن اختلفت المآرب.

السعدون الذي عمل قبل تقاعده مديرا بأحد موانئ الكويت، يقف اليوم على كنز من مقتنيات تراثية يزخر بها منزله، جلب جلها من "سوق الجمعة" منذ أن كان صبيا.

يعود السعدون بالذاكرة إلى عام 1969، ويحكي للجزيرة نت حين كان سوق البضائع المستعملة يطلق عليه اسم "سوق المقاصيص" (وتعني المفلسين باللهجة الكويتية)، وكان موقعه في ساحة الصفاة وسط مدينة الكويت.. وقتها كان يبلغ من العمر 18 عاما، فكان يشتري ما ندر لقاء مبالغ زهيدة، لكن قيمته الآن تقدر بالمئات وربما بالآلاف.

السعدون اعتاد جمع مقتنياته التراثية منذ صباه (الجزيرة نت)

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي قررت الحكومة الكويتية نقل السوق إلى منطقة الري بمحافظة الفروانية، فانتقل معه السعدون مكملا رحلة بحثه عن التحف والنوادر، ولكن بعد أن تحول اسمه إلى "سوق الجمعة".

لا يرى السعدون صحة ربط سوق البضائع المستعملة بمحدودي الدخل، فالأجانب المقيمون في الكويت يحرصون على زيارته، تماما كما يحرص هو على زيارة الأسواق المشابهة في كل بلد يزوره، مثل سوق "بورتوبيلو" في لندن، و"سوق البراغيث" في باريس، فهذه الأسواق تعد من معالم البلدان التي توجد بها.

وليس السعدون استثناء بين أصدقائه، فهو يؤكد أن كثيرين منهم يترددون بانتظام على "سوق الجمعة" الذي يحمل طابعا مختلفا يميزه عن بقية الأسواق في الكويت.

الأجانب المقيمون في الكويت ينظرون إلى السوق كأحد معالم البلاد (الجزيرة نت)

لكن هذا لا ينفي حقيقة أن السواد الأعظم من رواد السوق هم من ذوي الدخول المتوسطة والمحدودة، ومنهم خالد محمد (37 عاما) وهو مصري يعمل سائقا بإحدى شركات المواد الغذائية، ويشتري أغلب مستلزماته من هذا السوق.

من وجهة نظر خالد الذي يتقاضى راتبا شهريا قدره ثلاثمئة دينار كويتي (نحو ألف دولار)، فإن المنتجات التي تحمل العلامات التجارية العالمية متوفرة في السوق بأسعار في متناول يده، ويضرب مثلا بساعة يد دفع فيها ثلاثين دينارا (نحو 100 دولار)، بينما يبلغ سعرها في الوكالة التي تبيعها 150 دينارا، وهذا ينطبق أيضا على الملابس والأحذية وغيرها من بضائع السوق.

وإن كان خالد يشتري من "سوق الجمعة" لنفسه، فإن الأمر مختلف بالنسبة لداليا الطرابيلي المقيمة المصرية التي تعمل خبيرة بمركز للتجميل وتمتلك جمعية للأعمال الخيرية في محافظة بورسعيد المصرية، فهي تتردد على السوق باستمرار لشراء ما يحتاجه المعوزون الذين تعيلهم جمعيتها.

"سوق الجمعة" في الكويت ملاذ لأصحاب الدخول المتوسطة والمحدودة (الجزيرة نت)

تقول داليا للجزيرة نت إن البضائع التي تشتريها من السوق تشمل الأحذية والملابس والستائر والمفروشات. ولأن وجهها أصبح معروفا لعدد من البائعين، فإنهم يخصونها ببضائع ذات جودة وأسعار مخفضة لتشحنها بعد ذلك إلى مصر.

البضائع داخل السوق يجري الحصول عليها عبر طريقين رئيسيين: أولهما الشراء من أصحاب المنازل الراغبون في التخلص من أشيائهم القديمة، أو من الجمعيات الخيرية التي تتلقى هذه البضائع من متبرعين، لتقوم تاليا ببيعها في مزادات علنية، وذلك وفقا لما رواه للجزيرة نت أبو مريم (56 عاما) الذي يبيع الأثاث المستعمل في السوق منذ عام 2000.

ويشكو أبو مريم من التكاليف المرتفعة التي يتحملها البائع، فهو يدفع أسبوعيا 190 دينارا (نحو 625 دولارا) تشمل إيجار الموقع الذي يشغله أو "البسطة" كما تسمى في السوق، ورواتب أربعة من العمال والسائقين، وبالتالي تتضاءل فرص الربح في ظل ارتفاع التكاليف.

سوق الجمعة يزخر بكثير من النوادر والقطع التراثية (الجزيرة نت)

ولأن لكل سوق مشاكله، فإن أبو مريم يواجه صعوبات مع زبائنه الذين يردون البضاعة بعد شرائها، إما لأنها لا تناسب مقاسات المكان الذي ستوضع فيه، أو بسبب الضرر الذي يُلحقه العمال بها أثناء نقلها.

هذه المشكلات قد تجد حلا لدى عبد الله الشايجي "بوسليمان" (60 عاما) الذي يحلو لكثير من البائعين أن يطلقوا عليه لقب "عراب السوق"، فخبرته الممتدة لـ38 عاما قضاها بائعا في السوق، تؤهله للتدخل وحل الخلافات التي قد تنشب بين البائعين، أو بين البائع والزبون.

يقول الشايجي إن "السوق يحتوي على مئات البسطات، ويتردد عليه الآلاف أسبوعيا، لذلك من الطبيعي أن تحدث بعض المشكلات التي نسعى إلى حلها".

عاصر "بوسليمان" المراحل والتوسعات التي مر بها السوق منذ انتقاله إلى موقعه الحالي، ففي عام 2004 تمت توسعته بقرار حكومي، وإنشاء 17 مظلة ضخمة تخصص كل منها لبيع نوع محدد من البضائع، بعد تقسيمها إلى "بسطات" مساحة كل منها 16 مترا مربعا.

تأجير البسطات يقتصر على فئات محددة كالمتقاعدين الكويتيين لتكون مصدرا رديفا للدخل (الجزيرة نت)

ينقسم السوق إلى جزأين: الأول 25 ألف متر مربع جرى تخصيصها لسوق البضائع المستعملة، والثاني 115 ألف متر مربع لسوق البضائع الجديدة.

وتدير السوق شركة استثمارية بعقد مدته عشرون عاما، في حين تقتسم الإشراف عليه جهات حكومية ثلاث، هي وزارتا التجارة والداخلية إلى جانب البلدية. ويقول عضو المجلس البلدي الدكتور حسن كمال إن تأجير البسطات يقتصر على فئات محددة كالمتقاعدين الكويتيين لتكون مصدرا رديفا للدخل.

عمل السوق على مدار الأسبوع جرى توزيعه على شقين: فأيام الأربعاء والخميس والجمعة والسبت هي أيام السوق الرسمية التي تعرض فيها البضائع للبيع أمام الجمهور، أما أيام الأحد والاثنين والثلاثاء فيعمل السوق كمزاد أو "حراج" لشراء السلع من الناس أو التجار.

المصدر : الجزيرة