أهوال الحرب تحاصرها من كل جانب.. الحديدة تنزف

عائلة نزحت من الحديدة إلى صنعاء (رويترز-أرشيف)
عائلة نزحت من الحديدة إلى صنعاء (رويترز-أرشيف)

الجزيرة نت-خاص

المدفعية تقصف بشكل مكثف.. كانت أم جمال تعد الحقائب للنزوح من منزلها في حي غليل بمدينة الحديدة غربي اليمن، بعد أن تمددت المعارك وتقدمت القوات الحكومية المدعومة من التحالف السعودي الإماراتي في الأحياء السكنية.

وبعد دقائق عاد زوجها من الخارج بعد أن حجز موعدا مع سائق حافلة نقل متوسطة لتقل العائلة إلى العاصمة صنعاء، بينما كانت العربات العسكرية للحوثيين -المسيطرين على المدينة- تنطلق بسرعة كبيرة نحو الجنوب حيث تدور المعارك.

وبدا على وجه أفراد العائلة حالة من الحزن الممزوجة بالغضب وهم يستعدون لرحلة جديدة من التشرد، حيث عاشوا فصولا مماثلة من المعاناة قبل أشهر.

وشنت القوات الحكومية حملة عسكرية باتجاه مدينة الحديدة ذات الميناء الإستراتيجي على ساحل البحر الأحمر مطلع يونيو/حزيران الماضي، وتقدمت إلى مشارف المدينة، مما تسبب في نزوح الآلاف من السكان.

لكن المعارك توقفت لخمسة أشهر، لتندلع بوتيرة أشرس، وتتمدد في الأحياء السكنية، بعد أن جر الحوثيون القوات الحكومية إلى حرب شوارع، الأمر الذي أثار فزع السكان.

القصف على الحديدة يشتد مع تقدم القوات الحكومية (الجزيرة)

مجبرون على النزوح
وما لبثت أن أجهشت أم محمد بالبكاء وهي تتحدث عن مرارة النزوح الذي يبدو هذه المرة أقسى مع دخول فصل الشتاء الذي تنخفض فيه الحرارة إلى 3 درجات في صنعاء، بينما اعتادت الأسرة على العيش في درجة حرارة لا تقل عن 30 درجة في المدينة الساحلية.

تقول أم محمد للجزيرة نت "أعيش مع أطفالي في رعب على صوت الانفجارات والقصف، والمقاتلون من الطرفين بدؤوا القتال وسط المنازل.. سنعاني من النزوح والتشرد والبرد، لكن ذلك يبقى أهون بكثير من المعارك".

وسبق أن نزحت الأسرة في السابق إلى مدينة إب جنوب صنعاء، ومن ثم انتقلت إلى العاصمة، لكنها فضّلت العودة إلى الحديدة في سبتمبر/أيلول الماضي بعد الحديث عن مشاورات سياسية ترعاها الأمم المتحدة لإنهاء القتال.

أم جمال (50 عاما) تروي بدورها معاناتها مع النزوح وتقول "أقمنا في الأيام الأولى في مدرسة للنازحين ثم انتقلنا إلى منزل صغير في صنعاء، وعقب ذلك نزحنا إلى مدينة إب بحثا عن منزل، لكننا لم نجد".

وتضيف للجزيرة نت "عدنا إلى صنعاء مجددا وعانينا كثيرا، وإحدى بناتي أُصيبت باكتئاب وحالة نفسية، بينما أصبح زوجي عاطلا".

وتقول أم الأولاد الستة (أربع بنات وطفلان) "ما لبثنا أن عدنا إلى منزلنا قبل شهر، لكنهم عادوا إلى الحرب وأجبرونا على النزوح من جديد، لكن حسبي الله عليهم".

دمار كبير ألحقه القصف بالمباني في الحديدة (الجزيرة)

لن أنزح مرتين
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية باليمن في آخر إحصائية له، إنه تم رصد نزوح قرابة 81 ألف أسرة من الحديدة منذ يونيو/حزيران الماضي.

ورغم ذلك فإن آلاف السكان قرروا البقاء في المدينة أمام المعارك، "فالموت بالرصاص أو بالصواريخ أخف من الموت جوعا والمرض"، وفق قول سعيد قاسم للجزيرة نت.

ويوضح الموظف الحكومي في شركة الكهرباء أن نزوحه من منزله الأشهر الماضية كلّفه الكثير من حياته وحياة أطفاله الثلاثة، إذ اضطُرّ للبقاء في مدرسة "أبي بكر الصديق" بصنعاء في ظروف إنسانية صعبة، و"كنا نتمنى أن نجد أكلا، ولولا دعم المنظمات لمُتنا من الجوع".

ويضيف "تخيّل أن تعيش وسط الآلاف في مدرسة واحدة، لا شبكات صرف صحي جيدة ولا أكل نظيف ولا مأوى، ومنزلك في الحديدة فارغ.. أول ما عدت إلى منزلي عادت لي الحياة، ولذلك لن أكرر غلطة النزوح".

ويشير قاسم إلى أن مصيره ضمن مصير الآلاف من السكان، "وإذا كان الموت قد حل علينا فأهلا به، فأنا لا أملك تكاليف النزوح ومضطر للبقاء في منزلي".

باقون تحت القصف
وحذرت المنظمات الإنسانية الدولية من عواقب توقف نشاط ميناء الحديدة بسبب المواجهات، لكونه يستقبل نحو 70% من الواردات والمساعدات التي تدخل البلاد، وقالت إن الهجمات التي تشنها القوات الموالية للإمارات تستهدف البنية التحتية البشرية في المدينة، وتنتهك القوانين الدولية الإنسانية.

ورغم تلك التحذيرات فإن أغلب السكان قرروا البقاء في منازلهم لكونهم بلا حيلة ولا يملكون قيمة تكاليف النزوح، في طريقة شبه انتحارية. ووفق بيان للاتحاد الأوروبي "فإن المدنيين هم الفئة الأكثر تضررا من الحرب".

ويستعد هؤلاء لمواجهة أسوأ الكوارث، لكنهم يأملون توقف الحرب، ومن بينهم محمد جميل الذي يعمل صيادا للسمك.

يقول جميل للجزيرة نت "لم أنزح من قبل ولن أنزح هذه المرة، رغم أن المعارك التي كانت في السابق خارج المدينة وصلت إلى منازلنا، ومع ذلك سأبقى منتظراً لمصيري مع أطفالي".

من جهة أخرى، قال مصدر في الهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية (تابعة للحوثيين) إن الحرب التي يشنها العدوان (التحالف السعودي الإماراتي) تسببت في نزوح 27 ألف أسرة من الحديدة إلى صنعاء.

وأضاف المصدر أن العمليات العسكرية "للعدوان" ستسبب في أكبر كارثة إنسانية.

المصدر : الجزيرة