مائدة الطعام.. العقوبات الأميركية وصلت بيوت الإيرانيين

إيرانيون يشترون حاجياتهم اليومية من أحد الأسواق (الجزيرة نت)
إيرانيون يشترون حاجياتهم اليومية من أحد الأسواق (الجزيرة نت)

طهران-الجزيرة نت

في منزله الكائن بالعاصمة الإيرانية طهران، بدا ناصر شاردا وهو يبرد الخبز بعد أيام من دخول الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران.

"لا شيء، فرضوا علينا العقوبات من جديد" تمتم الرجل، قبل أن يضيف "منذ ولادتي ونحن في الحصار، الأمر ليس جديدا علينا، وهذا أيضا سيمر كغيره".

أعرف ناصر من الجامعة، قبلت دعوته للإفطار معه وعائلته، وكان الشغل الشاغل في جلستنا العقوبات وتأثيرها على حياة الإيرانيين.

محل لبيع اللحوم بمدينة طهران (الجزيرة نت)

قال ناصر وهو يضع الخبز على المائدة أمامنا بعد أن فرغ من تبريده، إن العقوبات بلا شك ستترك تأثيراتها خاصة على العائلات فيما يخص أسعار الأدوية والبضائع المستوردة، فضلا عن زيادة معدلات البطالة بين الشباب، لا سيما بعد خروج عدد من الشركات الأجنبية من البلد.

تضيف زوجة ناصر "أول المتأثرين هو مائدة الطعام، تتناقص القدرة الشرائية لدى الناس ولن يشعروا بطعم الفرح أو التفاؤل كما كانوا في السابق".

ثم ماذا؟
تحوّل الحديث إلى محور آخر متعلق بمستوى ارتفاع الأسعار بسبب العقوبات، حيث لا يؤيد ناصر تحميل العقوبات كل وزر ارتفاع بالأسعار، فهي تؤثر على الاقتصاد بنسبة 30 إلى 35% فقط كما يقول،  وبالتالي فإن نسبة كبيرة من الغلاء تعود لطريقة إدارة الحكومة للاقتصاد.

ويضرب مثلا "بعد مضي أيام من الاتفاق النووي وحصول إيران على مليارات الدولارات المتجمدة، لم تنخفض أسعار السلع، بل بالعكس ارتفع سعر الدولار سنةً بعد سنة".

تضيف زوجة ناصر سببين آخرين لارتفاع الأسعار، وهما تكالب الناس على شراء البضائع، واحتكارها من بعض التجار مما تسبب في الغلاء، كما تقول.

انتقل الحديث بعد ذلك لكيفية مواجهة العقوبات وكيف يمكن للإيرانيين تجاوز آثارها، فقال ناصر ضاحكا "صحيح أن هنالك صعوبة في العيش ولكن جلدنا صار سميكا، لقد اعتدنا".

ويقترح الاستفادة من مديرين متخصصين في مجال الاقتصاد، والسيطرة على العملات الأجنبية وتثبيت الريال الإيراني مقابلها، والاستفادة من العملات المحلية بدل الدولار وتعويضه باليورو، وإصلاح الحكومة لنظامها المالي، وتحسين العلاقات الدولية.

إيرانيون في أحد الأسواق بالعاصمة طهران (الجزيرة نت)

بعد مغادرة منزل ناصر، قابلنا عجوزا متقاعدا من الجيش الإيراني وكان الحديث عن العقوبات أيضا حاضرا، إذ قال "كل هذه الضغوطات تؤثر مباشرة على الشعب فقط، إذ تعمل أميركا على تخويف دول المنطقة من عفريت اسمه إيران كي تبيع أسلحتها لدول الخليج".

منذ عام 2003  يدور النقاش حول الملف النووي الإيراني بين إيران ودول أوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، وبعد مضي 12 سنة من التفاوض أبرمت إيران اتفاقية نووية مع دول 5+1 (الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين وبريطانيا وألمانيا وفرنسا).

رغم تأييد الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمتابعة إيران برنامجها النووي حسب الخطة السلمية المقررة، وكذلك صدور قرار من محكمة العدل الدولية لصالح إيران، استأنفت الولايات المتحدة عقوباتها على إيران بعد خروج إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي.

وتستهدف قائمة العقوبات التي أعادت واشنطن فرضها، مفاصل الاقتصاد الإيراني الذي يعتمد على عوائد صادرات النفط بشكل أساسي.

ويرى الباحث في الشأن الإيراني محمد الزغلول أن علاقة إيران مع البنوك الدولية ستتواصل رغم العقوبات، إذ توجد بنوك تُبقي على تعاونها مع طهران، كما أن هذه العقوبات لن توثر بصورة كبيرة على قرارات إيران كما يود الأميركيون، إذ "فرضت عقوبات على إيران خلال السنوات الماضية 35 مرة".

وصرح إسحق جهانكيري النائب الأول للرئيس الإيراني بأنه ما من شك أن العقوبات ستؤثر لكن علينا تقليل تأثيرها. في نهاية المطاف ستستفيد إيران من فضاء خاص للمبادلات التجارية مع أوروبا (أس بي وي) بديلا لنظام الدفع "سويفت" الدولي بين البنوك.

يبقى أن العقوبات ليست جديدة على الإيرانيين، وإنما استؤنفت آخر حلقاتها بعد إلغائها خلال مدة قصيرة بعد الاتفاق النووي، ولا يعرف الإيرانيون أن يصير بهم الحال تحت وطأة هذه العقوبات، أما السياسيون فيسيرون على خطة عنوانها الصبر على هذه الحال حتى انتهاء ولاية رئاسة ترامب أملا في عدم انتخابه مجددا، مع السعي في الوقت ذاته للالتفاف على العقوبات عبر التعاون مع الشركاء الآخرين في الاتفاق النووي، وخاصة الصينيين والروس والأوروبيين.

المصدر : الجزيرة