سجن بلا أسوار.. هكذا يعاني المعتقلون السابقون بمصر

اعتداء أحد ضباط الشرطة المصرية على متظاهر أثناء القبض عليه (الجزيرة)
اعتداء أحد ضباط الشرطة المصرية على متظاهر أثناء القبض عليه (الجزيرة)

السادس عشر من أغسطس/آب 2016 تاريخٌ رسم كالوشم في ذاكرة أسامة عبد الله، والذي مكث ينتظره "بفارغ الصبر" في أحد السجون المركزية التابعة لمحافظة الدقهلية (شمالي مصر)، لينعم بالحرية بعد اعتقال دام ثلاث سنوات على خلفية اتهامه بارتكاب أعمال شغب وعنف وتكدير الأمن العام، وتهم أخرى لا يتذكرها.

لكن الشاب الثلاثيني لم يكن يعلم أنه سيبدأ بعد خروجه من السجن رحلة عذاب جديدة، ولكن هذه المرة مع الحياة، فخلال عام كامل فشلت كل جهوده في البحث عن عمل، فالجميع يخاف توظيفه هربا من أي مشكلة محتملة مع السلطة كونه معارضا لها.

وبنبرة يملؤها الحزن، يقول أسامة في حديثه للجزيرة نت "شعرت بأني منبوذ في بلدي، فقررت السفر إلى محافظة أخرى أعيش فيها حاليا، حيث لا يعرفني أحد ولا أتحدث مع أحد إلا في أضيق الحدود".

لكن معاناة أسامة لم تقف عن هذا الحد، فبعد أقل من عام على خروجه من المعتقل، وجد نفسه مسؤولا عن إعالة أسرة أخيه الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه وحكم عليه مؤخرا بالسجن لمدة عشر سنوات.

ولا يعد أسامة وما واجهه من مشاكل حالة فردية، فآلاف المعتقلين السابقين يواجهون الظروف ذاتها. الجزيرة نت فتحت هذا الملف للإجابة على سؤال: كيف يقضي المعتقلون حياتهم بعد خروجهم من السجون؟

شهدت مصر خلال الشهور الأخيرة خروج العديد من المعتقلين من السجون بعد قضاء محكومياتهم، ولكن لا يوجد حصر دقيق لأعدادهم، غير أن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تشير إلى أن إجمالي السجناء والمحتجزين حتى منتصف أغسطس/آب 2016 بلغ 106 آلاف سجين، بينهم 60 ألف سجين سياسي موزعين على 504 مقار احتجاز.

‪معاناة المعتقلين السياسيين في مصر لا تتوقف بعد الإفراج عنهم‬ (الجزيرة)

مراقبة أمنية
المهندس أحمد سعد -الذي خرج من المعتقل مطلع يناير/كانون الثاني الماضي- بعد أن قضى ما يقرب من أربعة أعوام على ذمة قضية تظاهر وانتماء لجماعة إرهابية أسست على خلاف القانون (في إشارة إلى جماعة الإخوان المسلمين) وحكم فيها عليه بثلاث سنوات سجن مشدد وثلاث سنوات أخرى "تحت المراقبة"، كان من بين تلك الحالات التي ضاقت بهم الدنيا بما رحبت بعد خروجهم من السجن، كما وصف حاله للجزيرة نت.

ويشرح سعد الذي فصل من عمله بإحدى شركات البترول في القطاع الخاص، جزءا من المعاناة اليومية التي يعشيها، قائلا "يتوجب علي يوميا وفقا لحكم المحكمة (3 سنوات مراقبة) أن أمكث في المنزل منذ غروب الشمس حتى شروقها، وهو ما يشكل عبئا كبيرا حيث لم أستطع حتى الآن الحصول على فرصة عمل مناسبة".

ويشير إلى أن الظروف المعيشية الصعبة دفعته للعمل سائقا في إحدى شركات العاملة في قطاع سيارات الأجرة وخدمات التوصيل، ومع ذلك فهو مضطر للعمل ساعات قليلة حتى يتمكن من العودة إلى منزله في المساء تنفيذا لقرار المراقبة، حيث يمر عليه يوميا أحد أفراد الشرطة بدفتر المراقبة ليسجل حضوره.

والمراقبة قانونيا هي أن يقضي المتهم مدة مماثلة لمدة الحكم عليه تحت المراقبة الشرطية، حيث يظل المراقَب في قسم الشرطة التابع له أو في منزله منذ غروب الشمس وحتى شروقها، جزءا من العقوبة الأصلية وليس إجراء تكميليا، وفي حالة مخالفة حكم المراقبة أو إدانة المحكوم عليه في قضية أخرى يتم تحويل مدة المراقبة إلى سجن.

تدابير احترازية
جانب آخر من معاناة المعتقلين السابقين كشفه حمدي رضوان الذي يعاني من "التدابير الاحترازية" التي فرضت عليه بعد حصوله على قرار إخلاء سبيل على ذمة إحدى القضايا في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي.

ويقول رضوان -الذي كان يعمل مهندس برمجيات- إنه "ممنوع من مغادرة المنزل إلا بموافقة الشرطة، مع التوجه ثلاث مرات أسبوعيا إلى قسم الشرطة التابع له، حتى جلسة محاكمته المحددة في شهر فبراير/شباط المقبل".

والتدابير الاحترازية بمفهومها القانوني هي إجراءات يفرضها القاضي على من يرى فيهم احتمال إقدامهم على جريمة مستقبلية.

وتنقسم إلى ثلاثة أنواع، الأول عدم مغادرة الشخص المنزل إلا بتصريح من الجهات الأمنية، ويقوم أحد أفرد الأمن بالمرور عليه داخل مسكنه للتأكد من وجوده، وفي حالة اكتشاف عدم وجوده يصدر قرار بحبسه. والنوع الثاني أن يسلم الشخص نفسه للقسم التابع له ويمكث به مدة قد تصل لـ12 ساعة يوميا. أما النوع الثالث فيحضر فيه المتهم لقسم الشرطة لمدة يومين في الأسبوع.

وتنظر محكمة الجنايات أمر التدابير الاحترازية كل 45 يوما تقريبا، وتصدر قرارها سواء بالتخفيف أو تشديدها أو الإبقاء عليها كما هي، وفق ما أوضح مصدر قانوني للجزيرة نت.

ويعد نظام المراقبة في مصر إحدى وسائل الانتقام من معارضي النظام، وفقا لرضوان، فخلال زيارته لقسم الشرطة التابع له الشهر الماضي تعرض للسب والقذف، فضلا عن إجباره على غسل دورة مياه قسم الشرطة، أو "التكدير" (لفظ دارج في السجون المصرية يدل على التعنيف)، وذلك لاعتراضه على تفتيش ضباط الشرطة هاتفه الشخصي وصفحته على موقع التواصل الاجتماعي.

هروب اضطراري
الصعوبات الكبيرة التي يواجهها المعتقلون بعد الخروج من السجن، دفعت هاني عز الدين للتفكير في السفر خارج مصر، خاصة وأنه ما زال طالبا في الفرقة الثانية بكلية الطب بجامعة الأزهر، ولكن العقبة الكبرى التي ستقف أمامه تخوفه من توقفيه في المطار، حيث سبق أن اعتقل مرتين على خلفية قضايا سياسية، وهو ما جعله يفكر جيدا في هذا الأمر.

وعلى الرغم من مخاوف أهله واعتراضهم على السفر خشية التعرض للاعتقال مرة أخرى من المطار، فإن عز الدين عقد نيته ويرى أنه لا مفر منه، وقرر توفير أوراقه الرسمية والتصاريح اللازمة بعد حصوله على منحة دراسية في روسيا مطلع الصيف الحالي، وتمكن من مغادرة البلاد منذ شهر تقريبا.

التوفيق الذي لعب دوره مع عز الدين، لم ينله كثيرون ومنهم عبد الرحمن رشدي (اسم الأب مستعار)، الذي تم توقيفه في مطار القاهرة الدولي ومنعه من السفر إلى الصين ومصادرة جواز سفره، ثم اعتقاله على ذمة قضية أخرى قبل أن تفرج عنه أجهزة الأمن بعد شهر من اعتقاله.

ويؤكد عبد الرحمن أنه لن يستسلم للأوضاع الحالية في البلاد وما يتعرض له من انتهاكات ومضايقات كونه معارضا للنظام السياسي الحالي حتى لو دفعه ذلك للسفر بطريقة "غير شرعية" أو تعرض للاعتقال مرة أخرى.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لم يبق منهم أحد يتنفس الحرية، فمصير أفراد أسرة أمل عبد الفتاح إسماعيل موزع بين الاعتقال والقتل على يد أجهزة الأمن، وهذا هو حال عشرات الأسر المنكوبة في مصر.

بين الثالث من يوليو/تموز 2013 والثالث من يوليو/تموز 2018 جرت أحداث ومنعطفات كثيرة بمصر، عاد الجيش إلى السلطة، وسقط آلاف القتلى والجرحى، وزج بعشرات آلاف المصريين في أقبية السجون المظلمة.

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة