خاشقجي والسعودية.. موالاة ثم انتقاد واغتراب فاغتيال

خاشقجي انتقد سياسة ابن سلمان في تكميم الأفواه واعتقال المنتقدين فكان مصيره الاغتيال حسب مصادر أمنية تركية (رويترز)
خاشقجي انتقد سياسة ابن سلمان في تكميم الأفواه واعتقال المنتقدين فكان مصيره الاغتيال حسب مصادر أمنية تركية (رويترز)

خاشقجي الذي ولد بالمدينة المنورة وتركت آثارها عليه، اكتوى أخيرا بنيران السلطة، فقد اختفى بعد ساعات من دخوله مبنى القنصلية في إسطنبول للحصول على وثائق عائلية، في وقت قالت فيه وكالة الأنباء السعودية (واس) إن المملكة استردت الثلاثاء الماضي عبر الشرطة الدولية (إنتربول) مطلوبا -بعد أن فر من البلاد- في قضايا احتيال تتعلق بشيكات دون رصيد.

وسيبقى تاريخ السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2018 عالقا في الأذهان، إذ لم تعد القضية مرتبطة بـ "اختفاء" بل باغتيال خاشقجي داخل القنصلية حيث تحدثت مصادر عن تعذيبه وتقطيعه، بينما الرياض تصر على أنه غادر القنصلية مباشرة بعد دخولها بقليل.

بدأ مسيرته الصحفية مراسلا في صحيفة "سعودي غازيت" الإنجليزية، ثم مراسلا لعدد من الصحف العربية اليومية والأسبوعية ومنها الشرق الأوسط في المدة الممتدة من 1987 إلى 1999، واشتهر حينها بتغطياته الميدانية للحرب الأفغانية ضد السوفيات والتحول الديمقراطي القصير الأجل في الجزائر وحرب الخليج الثانية.

بعد أن اشتهر بتقاريره وتغطياته، عيّن نائبا لرئيس تحرير صحيفة "عرب نيوز" عام 1999حتى 2003، ليتولى بعدها رئاسة تحرير "الوطن" التي كانت حينئذ أكثر الصحف انفتاحا وانتقادا للأوضاع الداخلية، لكن جلوس خاشقجي على كرسي رئاسة التحرير لم يدم أكثر من شهرين حيث أُقيل.

ورغم تحسره على ضياع تلك الفرصة التي ستقربه أكثر من كواليس السياسة وصناعها في بلاده، فإن القدر منحه فرصة حسده عليها أقرانه من كبار مواطنيه الصحفيين بعد أن اختاره الأمير تركي الفيصل مستشارا إعلاميا حين كان سفيرا في لندن ثم واشنطن، واستمر كذلك حتى 2007.

منحت تلك المحطة خاشقجي أبعادا مختلفة للمشاركة في توضيح سياسة الرياض في أهم عواصم صنع القرار في العالم، كما قربته من أهم مصادر المعلومات حيث ترأس الفيصل قبل ذلك جهاز الاستخبارات العامة، وكان له دور كبير في رسم السياسات الخارجية.

خاشقجي الذي لا يخفي ميوله الإخوانية وتأثره بها خاصة أيام شبابه، عاد إلى الصحافة من أوسع أبوابها، فعيّن مرة أخرى عام 2007 رئيسا لتحرير "الوطن" المثيرة للجدل -حينها- خاصة ما يتصل بمناكفاتها مع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المدعومة من وزارة الداخلية آنذاك، وللمفارقة فقد كانت الصحيفة أيضا رأس حربة أحد أجنحة السلطة الميالة إلى "الإصلاح" وتخفيف القيود الشرعية التي كانت تفرضها هيئة الأمر بالمعروف.

 داخل البلاط
صيف 2008 كان خاشقجي يرتع في البلاط الملكي حين رافق الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في زيارته إلى لندن، وقتئذ قدمه الملك في حفل الاستقبال بقصر بكنغهام إلى ملكة بريطانيا بكونه "أهم صحفي سعودي".

لم تشفع له تلك الشهادة الملكية، فبعد أن خاض معارك فكرية واجتماعية بصحيفة الوطن كان يدعو فيها للتحديث والإصلاح، وجد نفسه هدفا لحملات شعواء خاصة من التيار الديني المتشدد، كلفته نهاية المطاف منصبه بعد أن سطر أحد كتاب صحيفته مقالا انتقد فيه الفكر السلفي، فكانت القطرة التي فاضت بالكأس، وأرغم على تقديم استقالته عام 2010 رغم أنه كان بالخارج حينها.

صحفي حرب مثل خاشقجي لم يستسلم لتلك الضربة رغم إيلامها، ومرة أخرى منحه القدر فرصة ذهبية ومن أحد أبواب الأسرة الحاكمة حين استدعاه الملياردير الوليد بن طلال آل سعود الذي كان يطمح لتوسيع إمبراطورتيه الإعلامية "روتانا" فاختار خاشقجي لتأسيس قناة العرب التي ولدت ووئدت في يوم واحد من عام 2015.

خديجة جنكيز خطيبة الكاتب ظلت تنتظره أمام القنصلية بإسطنبول بلا جدوى (الأوروبية)

ظل خاشقجي يكتب بعدها في صحيفة الحياة مؤيدا لرؤية المملكة 2030 التي يقودها الأمير محمد بن سلمان، كما كان يدافع عن سياسة المملكة الخارجية خاصة انخراطها في حرب اليمن تحت اسم عاصفة الحزم، حتى باتت تستضيفه القنوات العربية ومراكز الأبحاث الأجنبية بوصفه محللا سياسيا "مقربا من السلطة" ورغم أنه لم يدع ذلك إلا أنه أيضا لم يستنكره.

واستمر في الكتابة والتعبير عن آرائه التي كان يدافع في بعضها عن فكر الإخوان رغم انتقاده لسياساتهم، وكان يدعو إلى استيعاب موجات الربيع العربي ومحاولة دعمها.

كما حذر -في تغريدات ومحاضرات بمراكز فكر غربية- بلاده من التماهي مع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد انتخابه رئيسا في يناير/كانون الثاني 2017، مما اضطر خارجية المملكة إلى إصدار بيان قالت فيه إن خاشقجي ليس له علاقة بالحكومة وإن آراءه تعبر عن وجهة نظره الشخصية فقط.

بعدها أخذت علاقة خاشقجي بالسلطات السعودية منحنى حادا، فمنعته من الكتابة والتغريد لمدة تسعة أشهر، ليعود بعدها ويكتب بصحيفة الحياة مقالات لم ترق كثيرا للسلطات حيث امتدح في بعضها فكر الإخوان، فقرر ناشر الصحيفة خالد بن سلطان آل سعود بعد نحو شهر إيقاف خاشقجي عن الكتابة نهائيا.

الحكومة اعتقلت رموزا كثيرة عدد منهم أصدقاء خاشقجي (ناشطون)

رؤوس تتطاير
صمت خاشقجي مدة، وحين رأى الرؤوس من حوله تتطاير في حملات اعتقالات امتدت إلى رموز دينية واجتماعية وثقافية، وعدد منهم أصدقاء له، قرر الخروج فهاجر إلى الولايات المتحدة وأخذ يكتب مقالات بصحيفة واشنطن بوست ينتقد فيها سياسة تكميم الأفواه واعتقال كل من له رأي مخالف، كما انتقد محاربة المملكة لجماعات الإسلام السياسي ومعارضتها للربيع العربي.

ومن جديد، قوبلت مقالاته بحملات إعلامية وتحريضية من الداخل وصفته بأقذع التهم والشتائم حتى وصلت مرحلة متقدمة من العنصرية التي شككت في أصوله وعدم استحقاقه الجنسية، غير أنه لم يتوقف عن الكتابة والتغريد.

وفي الوقت الذي تخوض فيه السلطات حملات دعائية لتلميع سياساتها وتسويق أجندة ملكها الإصلاحي المرتقب (محمد بن سلمان) يكتب خاشقجي في أعرق الصحف الأميركية وبين ظهراني صناع القرار الأميركي: يفند تلك السياسات ويشوّه صورة تريد السلطات السعودية أن ترسخها عند أولئك القوم.

أمام ذلك، لم تجد سلطات الرياض بدا من إسكات الرجل وابتلاعه في عملية غامضة بسفارتها في إسطنبول بعد أن كان أحد ألسنتها -وللمفارقة- في سفارات لندن وواشنطن.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية