بعد أزمة خاشقجي.. كيف تتصرف الدول إزاء القنصليات الأجنبية؟

يُتوقع أن يثير اختفاء خاشقجي أزمة جديدة في العلاقة بين تركيا والسعودية (الجزيرة)
يُتوقع أن يثير اختفاء خاشقجي أزمة جديدة في العلاقة بين تركيا والسعودية (الجزيرة)

ما زالت أزمة اختفاء الإعلامي السعودي جمال خاشقجي تثير زوبعة واسعة في العالم الافتراضي، وسط تضارب بشأن مصيره بعد تأكيد مغردين وصوله إلى العاصمة السعودية الرياض، وتأكيد مصادر تركية وجوده في القنصلية السعودية بإسطنبول.

ونقلت وكالة رويتز قبل قليل عن مسؤول تركي تأكيده أن خاشقجي ما زال في مقر قنصلية بلاده في إسطنبول.

دخل ولم يخرج
وعلى هذا فالثابت -وفقا للمسؤول التركي ولما قالته خطيبة خاشقجي للجزيرة- أن الرجل دخل القنصلية السعودية في إسطنبول يوم الثلاثاء عند الواحدة ظهرا للحصول على بعض الوثائق الخاصة بإتمام زواجه، ولكنه لم يخرج منها بعد.

ورغم الاهتمام الإعلامي الواسع بقضية خاشقجي من كبريات الصحف العالمية والعربية ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد بقيت المعطيات شحيحة بشأن مصيره، وتوقفت مسارات القصة وتطوراتها من حيث بدأت: عند القنصلية السعودية في إسطنبول.

ويمكن تلمس مستوى الحرج الذي تشعر به السلطات التركية في ظل اختطاف -أو بالحد الأدنى اختفاء- مواطن أجنبي فوق أرضها وتحت مسؤوليتها الأمنية والأخلاقية، ولكن ما هي حدود التصرف والتحرك المتاحة أمامها؟

ويطرح الأمر في الوقت ذاته تساؤلات بشأن الأدوار التي تضطلع بها القنصليات والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، وحدود الحماية والحصانة التي تتمتع بها، وكيف تتصرف الدول في إطار تعاطيها مع القنصليات والبعثات ذات الطبيعة الدبلوماسية في أراضيها.

حصانة كاملة
تمثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961 مرجعا دوليا في تعاطي الدول مع البعثات الدبلوماسية، وهي اتفاقية دولية تحدد الإجراءات والضوابط الخاصة بالعمل الدبلوماسي بين الدول، وتبين الحقوق والواجبات الخاصة بأفراد البعثات الدبلوماسية.

وتنص المادة 22 من هذه الاتفاقية أن مباني البعثة الأجنبية تتمتع بالحرمة، وليس لممثلي الحكومة المعتمدين لديها الحق في دخول هذه المباني إلا إذا وافق على ذلك رئيس البعثة.

وتوجب نفس المادة على الدولة المعتمد لديها التزاما خاصا باتخاذ كافة الوسائل اللازمة لمنع اقتحام أو الإضرار بمباني البعثة وبصيانة أمنها من الاضطراب أو من الحط من كرامتها.

وطبقا لهذه المادة لا يجوز أن تكون مباني البعثة أو مفروشاتها أو كل ما يوجد فيها من أشياء أو كافة وسائل النقل عرضة للاستيلاء أو التفتيش أو الحجز لأي إجراء تنفيذي.

وتنص المادة 27 من نفس الاتفاقية أنه لا يجوز فتح أو حجز الحقيبة الدبلوماسية، بينما تتحدث مواد أخرى بتفاصيل طويلة عن حقوق الممثلين الدبلوماسيين، وواجبات الدول في حمايتهم والحفاظ على سلامتهم وحرياتهم.

وبدورها تتضمن اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية ضوابط وواجبات مشابهة.

 

أزمات دبلوماسية
ورغم ما تسطره النصوص والاتفاقيات الدولية من قواعد والتزامات، فالواقع يقول إن الدول لا تلتزم جميعها بمقتضيات تلك القواعد والاتفاقيات، ويترتب على ذلك في أحيان كثيرة توترات وأزمات دبلوماسية شديدة.

ومن أشهر حوادث الاعتداء على المقار الدبلوماسية اقتحام طلبة إيرانيين مقر السفارة الأميركية في طهران عام 1979 دعما للثورة الإيرانية واحتجاز 52 أميركيا، وهي الحادثة التي ساهمت في توتر العلاقة بين البلدين لعقود عديدة.

ورغم أنها الحالة الأشهر في الاعتداء على البعثات الدبلوماسية فإنها ليست الوحيدة، فقد شهدت بلدان عديدة اعتداءات متفاوتة في أسبابها وتداعياتها على السفارات الأجنبية، وهي الاعتدءات التي قادت في أغلب الأحيان إلى توتر العلاقة بين البلدين.

ومع ذلك تبقى مقار السفارات والقنصليات وبحكم القانون الدولي أرضا تابعة لدولها لا يجوز اقتحامها أو التعدي عليها من طرف سلطات الدولة المضيفة، حتى مع وجود تحفظات على أنشطتها أو القائمين عليها.

ومن أبرز أمثلة الحصانة التي تتوفر للمقار الدبلوماسية حالة مؤسس ويكيليكس جوليان أسانج الذي يحتمي منذ العام 2012 بمقر سفارة الإكوادور في العاصمة البريطانية لندن، ووصلت كلفة حمايته إلى ملايين الجنيهات، وتطالب به دول من بينها الولايات المتحدة، ومع ذلك يقف الجميع عاجزا أمام حالته، ولا تستطيع لندن اقتحام سفارة الإكوادور للوصول إليه.

وبالنظر إلى تلك القواعد والسوابق يتضح أن السلطات التركية ستجد صعوبة في مواجهة حالة الإعلامي جمال خاشقجي بالنظر إلى وجوده داخل مقر قنصلية بلاده.

ولا يستبعد مراقبون أن تسعى السلطات السعودية لمساومة نظيرتها التركية في ملفات أخرى مقابل السماح بترحيله أو الإفراج عنه، وفي كلتا الحالتين تبقى العلاقة بين الطرفين مفتوحة على احتمالات كثيرة في ضوء الخيارات والمآلات التي ستتجه إليها أزمة خاشقجي غير المسبوقة في تاريخ العلاقة بين البلدين.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية