معلومات جديدة.. هل كانت روسيا وراء فوز ترامب بانتخابات 2016؟

آخر مناظرة تلفزيونية بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون بجامعة نيفادا بلاس فيغاس في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016 (رويترز)
آخر مناظرة تلفزيونية بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون بجامعة نيفادا بلاس فيغاس في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016 (رويترز)

فريق التحرير

بينما يقترب السادس من نوفمبر/تشرين الثاني موعد الانتخابات النصفية بـالكونغرس الأميركي تعود للواجهة الأسئلة الكبرى وعلى رأسها سؤال شرعية الرئيس دونالد ترامب، رجل الأعمال الذي دخل السياسة من بوابة المنصب الأعلى في الولايات المتحدة وربما العالم.

فقد اتخذ ترامب العديد من المواقف المتناقضة منذ توليه منصبه، لكنه لا يتزعزع في نقطة واحدة، هي أن روسيا لم تلعب أي دور في وصوله للبيت الأبيض، ويرفض فكرة أن التدخل الروسي أثر على نتائج انتخابات عام 2016، واصفا إياها بـ"القصة المصطنعة" و"السخيفة" و"الخدعة"، ووصف التحقيقات فيها بأنها "مطاردة الساحرات".

معلومات جديدة
أمام الجدل حول التدخل الروسي، أعاد كتاب جديد عنوانه "الحرب الإلكترونية: كيف ساعد المتسللون والمتصيدون الروس في انتخاب رئيس" مزيدا من التفاعل للقضية. وتطرح الكاتبة كاثلين هال جاميسون (71 عاما)، أستاذة الاتصالات بجامعة بنسلفانيا سؤالا عن حجم التدخل الروسي في عام 2016، مقدمة تحليلا للأدلة المتاحة تخلص فيه إلى أن روسيا على الأرجح كانت وراء فوز ترامب. الكتاب، الذي يخرج قبيل الانتخابات النصفية، قد يعيد طرح السؤال حول شرعية ترامب الانتخابية.

ويصف مؤيدو الرئيس الدراسة بأنها من أعمال الحرب الحزبية، ولكن صاحبة الكتاب عالمة مرموقة قضت أربعين عاما في دراسة الخطابات السياسية والإعلانات والمناظرات. فهي تدير منذ عام 1993 مركز أننبيرغ للسياسة العامة في فيلادلفيا، وفي عام 2003 شاركت في تأسيس موقع فاكت جيك دوت أورغ (FactCheck.org)، وهي مجموعة مراقبة غير حزبية.

تستند جاميسون في دراستها على معلومات كثيفة حول حرب الروس الإلكترونية. وعلى مدى خمسة عقود من الدراسات حول أنواع وظروف الإقناع الذي يؤثر على الناخبين، تقول الكاتبة إن الديمقراطيات في جميع أنحاء العالم بدأت تدرك أن تخريب الانتخابات لا يتطلب العبث بآلات التصويت.

وتضيف "لقد أثبتت الدراسات الموسعة للحملات السابقة أن بإمكانك أن تؤثر على الناس، الذين يغيرون قرارهم بعد ذلك، وهذا يغير النتيجة". وواصلت قائلة "أنا لا أزعم أن الروس عبثوا بأدوات التصويت، إنما أجادل بأنهم أقنعوا ما يكفي من الناس إما للتصويت بطريقة معينة أو عدم التصويت على الإطلاق". وقد يكون تأثير مثل هذه التلاعبات بالغ الأهمية لسباق عام 2016، الذي فازت فيه كلينتون بحوالي 2.9 مليون من الأصوات الشعبية أكثر من ترامب الذي فاز بأصوات الكليات الانتخابية.

في 224 صفحة من النصوص مع أربعة ملاحق من الرسوم البيانية و54 صفحة من الحواشي، قدمت جاميسون حججا قوية، قائلة إن "العقول المدبرة الروسية" نفذت في 2016 انقلابًا تكنولوجيًا وسياسيًا. علاوة على ذلك، تستنتج، أن وسائل الإعلام الأميركية "ساعدتها عن غير قصد في تحقيق أهدافها".

كانت الاستنتاجات التقليدية لمناظرات كلينتون الثلاث أنها حققت أداءً جيدًا، وفازت فيها بهامش 13% وفقا لاستطلاع (سي إن إن)، ولكن استطلاعا هاتفيا أجراه مركز أننبيرغ، بالتزامن مع المناظرات، أظهر أن الأميركيين الذين شاهدوا المناظرتين الثانية والثالثة أكثر عرضة للموافقة من أولئك الذين لم يشاهدوها، على أن كلينتون "تقول شيئًا علنيًا وآخر في الخفاء" وعليه بحلول وقت المناظرة الأولى، في 26 سبتمبر، كانت سمعة كلينتون عن "الصراحة" قد شوهت بالفعل وأشارت بيانات أخرى لمركز أننبيرغ إلى أن المخاوف من أن كلينتون كانت ذات وجهين تم "خبزها" في عقول الناخبين قبل المناظرة الأولى.

أداء كلينتون
أعرب العديد من أنصار كلينتون عن إحباطهم من أدائها الضعيف كمرشحة، والأخطاء التكتيكية لحملتها. فبدلا من التحقيق في ما إذا كانت روسيا سعت لطمس المعايير الانتخابية، فقد ركزوا على احتمال أن يكون ترامب قد تواطأ مع روسيا، وأن هذا قد يتعرض له التحقيق الذي يجريه المستشار الخاص روبرت مولر، إلى جانب جرائم أخرى.

لقد توقفت حملة كلينتون عن عزو خسارتها للروس. ويقول جويل بننسون القائم على استطلاعات الرأي في الحملة إن "قوى عالمية عبثت بانتخاباتنا "، ولذلك، من وجهة نظره، "يجب على كل أميركي أن يغضب، سواء أدى ذلك التدخل لتغيير النتيجة أم لا". ويضيف بننسون "لن نتمكن على الأرجح من معرفة ذلك حتى تتم مقاضاة بعض الروس المتورطين فيها بالفعل أو يتحدث بعض الجمهوريين، في لحظة من صحوة ضمير، عن المحادثات".

كيف كان التلاعب الروسي

الكونغرس استعرض الكثير من المعطيات الخاصة بالتدخل الروسي في انتخابات 2016 الرئاسية (الأوروبية -أرشيف)

بدأت الشكوك تكبر لدى المؤلفة جاميسون عندما شاهدت جلسات استماع مجلسي النواب والشيوخ حول التلاعب الروسي بالانتخابات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي تستعرض عينة من عشرات الإعلانات الروسية المدفوعة على فيسبوك خلال الحملة الرئاسية. قبل جلسات الاستماع، كان رئيس فيسبوك مارك زوكربيرغ قد أكد أن مقدار المحتوى الروسي الذي نشر على وسائل التواصل الاجتماعي كان صغيرا للغاية ولا يمكن اعتباره أمرا مهما. لكن الأدلة التي قدمت إلى لجنة مجلس الشيوخ كشفت أن المواد التي أنتجها الكرملين قد وصلت إلى 126 مليون مستخدم أميركي على فيسبوك.

أظهرت الأبحاث الأكاديمية أن الرسائل السياسية لا تميل إلى تغيير عقول الناخبين الذين اختاروا المرشح بالفعل، بل التركيز على الأرجح يكون لاستمالة الناخبين المترددين الذين كان عددهم، حتى الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات، حوالي 37 مليون أميركي (15% من الناخبين).

وقد لاحظت جاميسون أن وسائل الإقناع السياسي تكون فعالة بشكل خاص عندما ترسلها مصادر موثوقة، مثل أعضاء المجتمع الخاص بك، وهو ما فطن له الروس وتنكروا في هذا الأسلوب بالتحديد من خلال عدة مواقع منها موقع دي لينكس DCLeaks.com الذي تأكد لخبراء الأمن الأميركيين أنه تابع لوكالة الاستخبارات العسكرية الروسية.

أدوات التأثير الروسية
تأثير الحرب الإلكترونية الروسية قد تعزز على الأرجح من خلال اتساقه مع رسائل حملة ترامب، وتماشي إستراتيجيته مع الأهداف الجغرافية والسكانية للحملة، فقد ضخموا بشكل كبير خطاب ترامب المثير للانقسام حول المهاجرين والأقليات والمسلمين، بالإضافة لمواضيع أخرى، في الدوائر الانتخابية التي يحتاج إليها.

المتصيدون الروس كثفوا دعايتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وهدف المتصيدون الروس من منشوراتهم كسب التأييد لترامب من مرتادي الكنائس والعائلات العسكرية، ولذلك كانوا كثيرا ما يروجون لنصوص الانجيل، واظهار كلينتون كشيطان ذي قرون يصارع المسيح مع رسالة تقول "إذا كنت تريد أن يفوز يسوع!". أحد المواقع في أنستغرام يصور كلينتون غير مبالية بمأساة عام 2012 في بنغازي مع صورة أرملة أميركية شابة تضع رأسها على نعش ملفوف بالعلم. منشور آخر يظهر صورة مشرد نحيل من المحاربين القدامى بجانب صورة رجل يرتدي تي شيرت مع تعليق يسأل عن سبب عدم حصول "هذا المخضرم على شيء" بينما "هذا غير القانوني يحصل على كل شيء" في إشارة للمهاجرين.

حدود الدعاية الروسية
في مقال بواشنطن بوست، كتبت جاميسون أن "الانتشار الواسع" للتضليل الروسي "يزيد من احتمال" أن ذلك "غيّر النتيجة". يضاف لذلك تزامن نشر تسريبات في موقع ويكيليكس تكشف قيمة أجور المحاضرات التي كانت كلينتون تلقيها للبنوك، مما جعل هذا الأمر مادة جيدة لترامب أثناء المناظرة الثانية بجانب قصة أنها مخادعة خاصة عندما لم تكن إجابتها مقنعة عن سؤال: هل تعتقدين أنه من المقبول أن يكون السياسي "ذا وجهين"؟

لذلك خلال الأسابيع التي جرت فيها المناظرات، أصبح المراقبون ووسائل الإعلام يستهلكون رواية مناهضة لكلينتون يقودها القراصنة الروس الذين كانوا ناجحين بشكل مثير للقلق في إعادة صياغة الرواية السياسية الأميركية في الفترة الحاسمة للانتخابات.

أعرب العديد من أنصار كلينتون عن إحباطهم من أدائها الضعيف كمرشحة في انتخابات 2016 الرئاسية (رويترز-أرشيف)

يوم الجمعة 7 أكتوبر، أي قبل يومين للمناظرة الثانية، ظهرت ثلاث قصص رئيسية في تتابع سريع. في الساعة 12:40 مساءً أصدرت إدارة أوباما بيانا من وزارة الأمن الداخلي ومدير المخابرات القومية، متهمة حكومة روسيا بالتدخل بالانتخابات من خلال القرصنة. ولكن في الساعة 4:03 مساءً نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً، عن "شريط هوليود" الذي أظهر ترامب، في تسجيل صوتي وهو يتفاخر بمغامراته النسائية. ثم، بعد أقل من نصف ساعة، نشر موقع ويكيليكس حزمة من رسائل بريد كلينتون الإلكتروني.

وتطلب جاميسون من القراء تخيل مدى الاختلاف الذي كان يمكن أن يحدث في انتخابات عام 2016 إذا تم اختراق حملة ترامب أيضا، وتم تسريب رسائل البريد الإلكتروني الخاصة ببول مانافورت، ومايكل كوهين، ومايكل فلين، وجاريد كوشنر، ولقاء برج ترامب مع الروس في يونيو/حزيران 2016، ومكافآت ترامب لممثلة إباحية لإسكاتها، وكذلك الوثائق التي أخفاها ترامب، مثل عوائده الضريبية.

ملاحقة الروس
في فبراير/شباط 2018 أصدرت وزارة العدل، بناء على طلب من المحقق الخاص حول التدخل الروسي بالانتخابات لائحة اتهام مفصلة لثلاثة عشر روسيا يعملون في وكالة أبحاث الإنترنت، وهي مؤسسة متخصصة في التصيد مقرها سان بطرسبرغ، واصل النشطاء فيها العمل ليل نهار في حرب المعلومات على الولايات المتحدة.

ثم في يوليو/تموز، اتهم مولر 12 من ضباط المخابرات الروس باختراق أجهزة الكمبيوتر التابعة للجنة الوطنية الديمقراطية وحملة كلينتون. وأكدت لائحة الاتهام أن الحكومة الروسية نفذت هجومًا إلكترونيًا مترامي الأطراف ومستمرًا على ما لا يقل عن 300 شخص مرتبطين بالحزب الديمقراطي وحملة كلينتون، وتسللوا لأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم وزرعوا برامج ضارة ساعدت الجواسيس في بعض الحالات على مراقبة تحركهم بشكل خفي.

وأظهرت لائحة الاتهام أن المحاولة الأولى للقراصنة الروس للتسلل إلى خوادم الكمبيوتر بمكتب كلينتون في 27 يوليو/تموز 2016، جرت في نفس اليوم الذي قال فيه ترامب مخاطبا الروس "إذا كنتم تستمعون، آمل أن تكونوا قادرين على العثور على 30 ألف بريد إلكتروني مفقودة" مضيفا "أعتقد أنكم ربما ستكافؤون جيدا من قبل صحافتنا".

وقد صُدم جويل بننسون، مدير استطلاعات حملة كلينتون، عندما علم من اتهام يوليو، أن الروس قد سرقوا النمذجة الداخلية لحملته. أوضح بينينسون أن أي منافس لكلينتون الذي سرق هذه البيانات من المؤكد أنه أدرك أن أفضل طريقة لمواجهة الخطة هي قصف هؤلاء الناخبين بمعلومات سلبية عن كلينتون. وقال "كل ما يحتاجون إليه هو إبقاء هؤلاء الناس في مكانهم"، وهو أسهل بكثير من إقناعهم بالتحول لمرشح آخر.

تؤكد جاميسون في كتابها أن كثيرا من الأميركيين لا يعرفون عن حملة الاختراق الروسية، بما في ذلك معلومات الاستهداف التفصيلية التي توضح بالضبط من كان الهدف من المعلومات الروسية المزيفة؟ ومتى أرسلت؟ يعتقد فيليب هوارد الأستاذ بجامعة أكسفورد أن فيسبوك يملك هذه البيانات، وصولا إلى موقع كمبيوتر المستخدم. ويعتقد أيضًا أنه إذا كان هناك أي تواطؤ بين المتصيدين في سانت بطرسبورغ وحملة ترامب، فإن بيانات فيسبوك الداخلية يمكن أن توثقها. لكنه يقول إن فيسبوك قاوم حتى الآن إفشاء مثل هذه البيانات للباحثين، مدعيا أن القيام بذلك سيكون خرقا لاتفاقية المستخدم.

وتشير جاميسون إلى أن المقابلات التي تجري في فترة ما بعد الانتخاب غالبا ما تكون غير مفيدة، حيث إن قلة من الناخبين قادرون على إعادة سرد ما أثر على قرارهم بدقة. ويخلص كتابها إلى أن "المتصيدين الروس والمتسللين ساعدوا في انتخاب رئيس أميركي". وتعتقد جاميسون أن الناخبين لم يكونوا مدركين للجهد الأجنبي للتلاعب بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتعتقد أن من المحتمل أن يكون للجمهور رد فعل معاكس إذا علم ذلك.

المصدر : وكالات,نيويوركر