المال وشبكة المصالح بأميركا.. طوق نجاة السعودية من دماء خاشقجي

الآن، بعد أن اعترفت المملكة العربية السعودية بأن مقتل الصحفي جمال خاشقجي كان مؤامرة مع سبق الإصرار والترصد داخل قنصليتها في إسطنبول، فإن السؤال المطروح حاليا هو: كيف يؤثر قتل صحفي مقيم في الولايات المتحدة من قبل ممثلين لدولة حليفة على العلاقات الطويلة الأمد بين السعودية والولايات المتحدة.

واجهت العلاقة الأميركية السعودية أزمات كبرى من قبل وتجاوزتها، وذلك بسبب شبكة من العلاقات المالية والمصالح المتداخلة التي عادة ما تترك للولايات المتحدة حافزا ضئيلا لمعاقبة السعوديين.

تحدث الرئيس دونالد ترامب علانية عن تقديره للمال السعودي، وقال بعد أسبوعين فقط من اختفاء خاشقجي داخل القنصلية السعودية: "لقد كانوا حليفا عظيما لي"، وأضاف "إنهم يستثمرون مبالغ هائلة من الأموال".

وقد طالب 11 عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي في خطاب، بالتدقيق الكامل في العلاقات المالية بين الرئيس والمملكة، والتي تعود إلى عام 1991 على الأقل، عندما باع ترامب يختا إلى أمير سعودي.

المال السعودي
يمكن العثور على المال السعودي في جميع أنحاء واشنطن، وقد أعرب موظفون وأعضاء في الكونغرس عن استيائهم من القضية، لكنهم شاركوا طويلا، من الهيئة التشريعية إلى الشركات التي تعمل لصالح السعودية وتدفع الملايين لجماعات الضغط والمحامين لتمثيل المملكة في العاصمة الأميركية، وهذه المبالغ مسجلة في ملفات وزارة العدل المطلوبة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب.

كما تدفع المملكة ملايين الدولارات الأخرى لمراكز الأبحاث المؤثرة التي يقدم باحثوها الدراسات للصحفيين والمشرعين على حد سواء، وغالبا ما يكون موظفو الحكومة والأعضاء السابقون في الكونغرس على قوائم الرواتب السعودية: فقد سجلت شركة هوجان لوفيلز للمحاماة أعمالها نيابة عن السفارة السعودية في الصيف الماضي مقابل مبلغ شهري قدره 125 ألف دولار، (وكانت الشركة قد عملت أيضا مع السفارة في عامي 2016 و2017)، هذا ما اعترف به متحدث باسم الشركة دون مزيد من التفصيل.

محمد بن سلمان يواجه أكبر أزمة سياسية بسبب مقتل جمال خاشقجي (الجزيرة)

شركة محاماة أخرى تسمى كينغ وسبالدينغ، بدأت الصيف الماضي أعمالها مع وزارة الطاقة السعودية بعقد قيمته 450 ألف دولار لفترة ثلاثين يوما، وفقا لرسالة إلكترونية مضمنة في ملف الشركة لدى مكتب تسجيل الوكلاء الأجانب.

شركة ضغط وعلاقات عامة أخرى تسمى "بي جي آر"، أوقفت عقدا بقيمة ثمانين ألف دولار في الشهر مع السعوديين بعد مقتل خاشقجي.

لكن العملاء الأجانب المسجلين رسميا في واشنطن ليسوا المستفيدين الوحيدين من المال السعودي، ففي العام الماضي افتتحت سيتي غروب مكتبا في العاصمة السعودية الرياض، وكانت شركة الاستشارات "ماكنزي" -التي لها مكتب في الرياض- قد واجهت انتقادات مؤخرا لكتابتها تقريرا للحكومة السعودية، تسبب في كشف معارضيها البارزين على الإنترنت.

ومنذ أن ظهرت قضية خاشقجي إلى العلن، قالت عدة مراكز أبحاث في واشنطن إنها أعادت تقييم علاقتها مع السعودية، فقد أعلن كل من معهد الشرق الأوسط ومؤسسة بروكينغز -وكلاهما من أصحاب النفوذ في الشرق الأوسط- أنهما سيضغطان لمنع قبول المزيد من الأموال السعودية، بعد أن اعترفا بقبول المال السعودي في الماضي، على الرغم من أنهما لم يكشفا عن المبالغ التي حصلا عليها.

منظمة بحثية مؤثرة أخرى هي مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أكدت -يوم الجمعة- أنها ستستغني عن تسعمئة ألف دولار كان من المقرر أن تحصل عليها من تطوير المهارات المهنية لموظفي السفارة السعودية في واشنطن ابتداء من ديسمبر/كانون الأول. وقال المتحدث باسم المركز أندرو شوارتز في رسالة بالبريد الإلكتروني ردا على استفسار من موقع بزفيد "في ضوء مقتل جمال خاشقجي لن نمضي قدما في هذا البرنامج كما هو مخطط".

لا تغيير متوقعا
توقعت مؤسسات أخرى أنه لن يكون هناك أي تغيير في سياساتها. فالمؤسسة العربية -التي يرأسها المواطن السعودي علي الشهابي- قالت إنها قبلت أموالا من مواطنين سعوديين في الماضي، ولن تقوم بإجراء تغييرات على كيفية قبول ومراقبة تمويلها، رغم اعتراف الحكومة السعودية أخيرا بمقتل خاشقجي.

وتلقت شركات وادي السليكون أموالا سعودية أيضا، حيث يستثمر الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال في تويتر منذ عام 2011، كما أبرمت شركتا أوبر وليفت صفقات مع مستثمرين سعوديين.

كذلك استثمرت المملكة مليار دولار في شركة لوسيد المنافسة لشركة تسلا للسيارات والطاقة، ووضعت المملكة -من خلال صندوق الاستثمار العام- أموالها في شركة دورداش لخدمة التوصيل، وشركة سلاك لنظام المراسلة.

وقد أصابت العلاقات الأميركية السعودية اللصيقة الكثيرين بالإحباط، ولا سيما أن الأسباب الإستراتيجية التي كانت تقود العلاقات -والقائمة على ضمان عدم انقطاع إمدادات النفط الخام- أصبحت أقل أهمية الآن مما كانت عليه في الماضي.

حتى عندما تقدمت السعودية عام 1973 المنتجين العرب في قطع النفط عن الولايات المتحدة احتجاجا على الدعم الأميركي لإسرائيل ضد مصر وسوريا، مما أدى إلى حدوث انكماش اقتصادي كبير في الولايات المتحدة، فإن هذه العلاقة قد نجت.

ففي عام 1975، وقّعت الولايات المتحدة والسعودية عقودا بقيمة ملياري دولار، كما انحازت السعودية إلى جانب الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان في عامي 1979 و1980.

ويقول السيناتور كريس ميرفي -وهو ديمقراطي من كونيتيكت وعضو لجنة العلاقات الخارجية، ويعد من منتقدي السعودية- إنه "قبل ثلاثين عاما كانت هناك أسباب وجيهة جدا للعلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية، قائمة في الأساس على النفط"، ويضيف: أما "اليوم، فلا تملك الولايات المتحدة مخاوف النفط نفسها بعد عقود من الاعتماد على الشرق الأوسط، فقد أصبحت الولايات المتحدة الآن أكبر منتج للنفط في العالم".

 

 

دون النفط

في عام 2017، أنتجت الولايات المتحدة 14.46 مليون برميل من النفط يوميا متجاوزة المملكة العربية السعودية، وفي الوقت ذاته، انخفضت واردات الولايات المتحدة من النفط السعودي إلى 943 ألف برميل في اليوم، وهو أدنى مستوى منذ عام 1988. لكن العلاقة لا تزال قوية ودون تغيير إلى حد كبير -كما يقول مورفي- على الرغم من الأدلة على أن السعودية قد دعمت وصدرت التطرف والإرهاب.

وقال السيناتور مورفي "لقد ضعفت الأسباب الرئيسية لتحالفنا، وزاد التهديد الذي تمثله السعودية للولايات المتحدة، لكن لا أحد لاحظ هذا التغيير في واشنطن". ويرجع ذلك -من وجهة نظر مورفي- إلى حد كبير إلى ملايين الدولارات التي تنفقها السعودية سنويا، وهو ما يكفي للتظاهر بأن التغير لم يحدث على الإطلاق.

وقال السيناتور بوب غراهام لبزفيد إن الـ15 سعوديا المشاركين في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 تلقوا دعما من الحكومة السعودية أثناء وجودهم في الولايات المتحدة، وأضاف "أعتقد أن 11 سبتمبر هو مثال صريح على غدر السعوديين، لأن هذا الحادث يثير السؤال المتكرر: لماذا لم نتعامل مع الحقائق التي نعرفها ونبلغ قيادة السعودية بأن أفعالهم لا يمكن تحملها، وسنتخذ خطوات قوية قد تشمل أشياء مثل إنهاء مبيعات الأسلحة لهم".

وأضاف غراهام "أعتقد أن ما حدث مع الصحفي هو فصل في كتاب متعدد الفصول، لأننا لم نعلن بصدق ما نعرفه عن تورط السعودية ولم نتخذ أي إجراء لإيقافه". وأشار إلى دعوى قضائية قدمتها بعض عائلات ضحايا 11 سبتمبر ضد السعودية، لكن الولايات المتحدة بذلت كل ما في وسعها لإبقاء هذا التقاضي بعيد المنال.

وفي نظر بعض مراقبي العلاقة مع السعودية، فإن زيارة ترامب لها كانت نقطة تحول، وقال مورفي "أعرف أن السعودية مهمة، لكنها لا تستحق أن تكون أول وجهة زيارة للرئيس الأميركي".

وفي عام 2015 وحده، استأجرت المملكة خمس شركات للضغط والعلاقات العامة، وقد جدد مركز الدراسات والشؤون الإعلامية في الديوان الملكي السعودي عقده مع مجموعة بوديستا، وهي شركة ضغط بارزة عملت لصالح بنك روسي ومع بول مانفورت رئيس حملة ترامب السابق الذي أدين في وقت سابق من هذا العام بالتزوير والتهرب الضريبي وغيرهما من التهم. واستمرت مسيرة العلاقات العامة كما كانت عندما عين الملك سلمان ابنه محمد وليا للعهد.

ترامب: أبلغت الملك السعودي أن عليه أن يدفع المال نظير الحماية الأميركية (الجزيرة)

وفي عموده بصحيفة نيويورك تايمز في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أشاد الكاتب توماس فريدمان بولي العهد السعودي، وأشار مرة واحدة فقط إلى اليمن الذي تسببت الحرب السعودية فيه في قتل آلاف المدنيين. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى مقتل أربعة آلاف مدني على يد تحالف عسكري بقيادة السعودية، تدعمه الولايات المتحدة في اليمن.

وقبل زيارة ولي العهد السعودي لواشنطن في ربيع عام 2018، بثت شبكة "سي بي إس" مقابلة مع الأمير، يظهر فيها وهو يعمل في وقت متأخر من الليل. وعندما وصل إلى أميركا، جلس لمقابلة مع مجلة ذي أتلانتيك، كما اصطحبه رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ إلى ستاربكس، وقام بجولة داخل مقر فيسبوك مع مارك زوكربيرغ.

غض الطرف
أما الحوادث المقلقة التي كانت تتكشف في السعودية وأماكن أخرى، فإنها لم تنل إلا القليل من التغطية.

ففي عام 2017، سجن الأمير محمد بعض أفراد العائلة المالكة السعودية وشخصيات رفيعة في فندق ريتز كارلتون. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، استدعى الأمير الشاب رئيسَ الوزراء اللبناني سعد الحريري إلى المملكة وأجبره على الاستقالة.

وفي يونيو/حزيران من العام نفسه، بدأت المملكة العربية السعودية وحليفتها الإمارات العربية المتحدة، حصارا على قطر لم يتم حله بعد (وورد أن وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون أوقف خطة سعودية لغزو قطر).

ومع ذلك تبقى العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية سليمة، فلا تزال الولايات المتحدة توفر الدعم في مجال الوقود والدعم الفني لحرب اليمن، مع تصريح وزير الخارجية مايك بومبيو للكونغرس الشهر الماضي بأن السعودية والإمارات تتخذان خطوات لتقليل خطر إلحاق الأذى بالمدنيين.

وعندما طردت السعودية السفير الكندي بعد تغريدة ناقدة في أغسطس/آب، تجنبت واشنطن التوسط لحل الخلاف وأكدت الخارجية الأميركية أن البلدين شريكان ويجب أن يحلا خلافهما دبلوماسيا.

الكونغرس الأميركي

في الكونغرس، هناك جدل حول كيفية المضي قدما في أعقاب اختفاء جمال خاشقجي ومقتله، حيث دعا البعض إلى فرض عقوبات بموجب قانون ماغنيتسكي، الذي يسمح للحكومة الأميركية بمعاقبة الأفراد والكيانات المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

وقال وزير الخارجية بومبيو يوم الثلاثاء الماضي إن إدارات الخارجية والخزانة ستنظر فيما إذا كانت العقوبات التي استهدفت 12 سعوديا على خلفية مقتل خاشقجي مناسبة، وأعلن أن هؤلاء السعوديين سيتم إلغاء تأشيراتهم أو جعلهم غير مؤهلين للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة؛ لكن الكثيرين ينظرون إلى تلك الخطوات على أنها لا تؤدي لشيء.

وقال السيناتور الجمهوري راند بول للصحفيين في وقت سابق من هذا الأسبوع "أعتقد أن العقوبات وسيلة للتظاهر بفعل شيء ما.. أنا لا أدعو لعزل المملكة العربية السعودية عن العالم … أنا أؤيد فقط عدم مساعدة السعوديين وتحريضهم، وهذا يعني التعبير عن الغضب من الدعم السعودي للتطرف، وسحب الدعم للحرب في اليمن، ووقف توفير الأسلحة".

ومن وجهة نظر ميرفي فإن "السعوديين على استعداد للكذب علينا. فعلوا ذلك لمدة أسبوعين، قالوا لنا خاشقجي غادر… استغرق الأمر منهم أسبوعين للاعتراف. من المنطقي أنهم كذبوا علينا أيضا حول ما يفعلونه في اليمن".

ومع ذلك، اعترف ميرفي بأن الولايات المتحدة من غير المرجح أن تقوم بتغيير كبير في سياستها تجاه السعودية، وذلك جزئيا، لأن عزل إيران -عدو السعودية اللدود- هو المفتاح الرئيسي لسياسة ترامب الخارجية.

ويرى مورفي "أن الكثير من السياسة الخارجية الأميركية -خاصة داخل الحزب الجمهوري- هي ضد إيران.. أعتقد أن هذه سياسة سيئة. لكن هذه النظرة العالمية لن تتغير، وهذا يعني أن الكثير من الناس سيستمرون في عقلنة هذه العلاقة اللصيقة".

المصدر : الصحافة الأميركية

المزيد من سياسي
الأكثر قراءة