العيش بجوار المستوطنين.. الجحيم بعينه

نجمة إسرائيل تعلو بؤرة استيطانية مكونة من بناية استولى عليها المستوطنون عام 2004 (الجزيرة)
نجمة إسرائيل تعلو بؤرة استيطانية مكونة من بناية استولى عليها المستوطنون عام 2004 (الجزيرة)

أسيل جندي-القدس المحتلة

يعتبر الوصول إلى حي بطن الهوى في الحارة الوسطى ببلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى التي يستهدفها الاحتلال بالتغلغل الاستيطاني أمرا صعبا، فالشارع الموصل إليه ضيق ومزدحم على مدار الساعة، والسلالم التي يسلكها السكان بدلا من الشارع الرئيسي طويلة وتكاد لا تخلو لحظة من المستوطنين وحراسهم.
 
وبمجرد دخول الحي تلفت نظر الزائر أكوام النفايات المتراكمة أمام المنازل، وكاميرات المراقبة التي ترصد تحركات السكان، ومجموعة أطفال مقدسيين يلهون في فسحة صغيرة ويتفرقون كلما قرر المستوطنون المرور منها بحماية حراسهم، ثم يعودون ليكملوا اللعب.
 
نجاح الرجبي (64 عاما) تقف كل بضع دقائق أمام منزلها لإلقاء نظرة على الزقاق ثم تدخل مرة أخرى، وبدا واضحا أنها تشعر بانعدام الاستقرار والأمان.
 
و
‪المقدسية نجاح وصفت حياتها بالجحيم‬ (الجزيرة)

تصف نجاح حياتها بالجحيم منذ جاورها المستوطنون عام 2004، اصطحبت الجزيرة نت في جولة لبعض الغرف التي اضطروا لهجرها بسبب تآكل الجدران وتسرب مياه الصرف الصحي من البؤرة الاستيطانية المجاورة، ومع ذلك تمنعهم سلطات الاحتلال من إدخال مواد البناء لترميم أي جزء من المنزل.

"استولى المستوطنون على العقار الملاصق لمنزلنا الذي اشتريناه من رجل مقدسي اكتشفنا لاحقا أنه باع العقار ذاته للجمعيات الاستيطانية، وفي إحدى الليالي دخلوا على المنزل واستولوا عليه وبدؤوا بتأثيثه تدريجيا، وبعد سلسلة من المحاكم بيننا صدر حكم لصالحهم بادعاء أنهم اشتروا العقار قبلنا، ومنذ ذلك الحين انقلبت حياتنا رأسا على عقب" تقول نجاح.

أذى يومي
تزدحم في ذاكرتها قصص اعتداءات كثيرة تعرضت لها وعائلتها على يد المستوطنين وحراسهم تتمثل بالضرب المبرح والاعتقال واقتحام المنزل بشكل شبه يومي، وإلقاء قنابل الغاز والصوت على ساكنيه، وتعمد الضرب بالهراوات وأعقاب البنادق.

‪السكان في حي بطن الهوى يعيشون وضعا بيئيا كارثيا يحيط بهم على مدار الساعة‬ (الجزيرة)

"أقصى أمنياتي أن أنام بشكل متواصل، فكلما خلدت للنوم أستيقظ بفزع على صوت أجهزتهم اللاسلكية التي يتحدث عبرها الحراس طوال الوقت، نهضت لأداء صلاة التهجد قبل يومين وبمجرد سماعهم لحركتي في المنزل سلطوا كشافا نحوي وكشفوني وأنا أصلي داخل غرفتي، ينتهكون حرمة منازلنا كل دقيقة".

ليست وحدها الكشافات التي تقض مضجع نجاح الرجبي بل كاميرات المراقبة التي ترصد تحركات سكان الحي ليلا ونهارا، مما يضطرها لإطفاء الإنارة مع حلول المساء كي لا تنكشف على الكاميرات.

فارق زوجها الحياة قبل خمسة أعوام ولا تزال المسنة تكابد متاعب الحياة اليومية مع أبنائها وزوجاتهم وأحفادها.

وعن الأذى الذي يلحق بأحفادها الذكور قالت "كانوا يتعرضون للضرب المبرح ثم الاستدعاء أو الاعتقال بشكل يومي حتى ضقنا ذرعا بهذا العذاب، فاضطر خمسة من أحفادي الذكور الآن للنوم في مكان عملهم بأحد الأفران ويأتون لزيارتنا مرة كل شهرين وفي كل زيارة يتم اعتقالهم أو ضربهم، أهناك أعظم من هذا الألم؟!".

على صوت تحذيرات المسنة من أن التصوير في المنطقة قد يعرض للأذى أو المساءلة توجهت الجزيرة نت إلى منزل عائلة أبو ميالة المطل على البؤرة الاستيطانية التي تُستخدم كنيسا افتتح بحضور رسمي إسرائيلي قبل أشهر.

سادين أبو ميالة(الجزيرة)

انتهاكات بقوة السلاح
ربة المنزل أم عزمي أبو ميالة بدت صلبة أكثر من نساء الحي الأخريات وهي تحث أطفالها مرارا على ضرورة تحليهم بالشجاعة وعدم الخوف من المستوطنين وحراسهم رغم حملهم السلاح وتصرفهم بوحشية مع السكان.

وسردت للجزيرة نت بعض ما تعانيه عائلتها بسبب إطلالة شرفة المنزل الخارجية على البؤرة الاستيطانية "نضطر لحبس أنفسنا وأطفالنا بالمنازل في فترة الأعياد اليهودية لأنهم يفرضون علينا منع التجول، وفي يومي الجمعة والسبت تتضاعف المضايقات بسبب عطلة الإسرائيليين الرسمية وتبادل زيارات المستوطنين لبعضهم".

ولا تتوقف الانتهاكات عند ذلك الحد حسب قول أم عزمي، إذ يتعرض منزلها لاقتحامات الجيش وحراس المستوطنين بشكل مستمر، ويتخلل ذلك تفتيش المنزل والاعتداء عليهم "تعرض ابني للضرب حتى فقد وعيه ونقل بالإسعاف للمستشفى، وها هو معتقل في سجون الاحتلال الآن، واخترقوا خصوصيتنا باقتحام المرحاض أثناء وجود ابنتي داخله بادعاء أن أحدنا بصق على المستوطنين أثناء مرورهم".

خلال وجودنا في الحي حاولنا سبر أغوار أفكار الأطفال هناك، ومن بينهم دارين ذات الأعوام التسعة التي قالت بصوت منخفض "الحياة لم تعد جميلة منذ جاء المستوطنون للسكن بجوارنا"، ولم تتردد بالإفصاح عن مشاعر الخوف التي تتملكها من رؤية السلاح على مدار الساعة ومن اقتحام منزلها دوريا لتفتيشه واعتقال أحد أشقائها الذكور.

بصق ورشق
سادين (11 عاما) تحلم بالحرية، وتتمنى أن يمضي يوم واحد دون تعرضها لمضايقات أطفال المستوطنين المتمثلة بالبصق عليها ورشقها بالحجارة، وتحاول إقناع نفسها بأنها لم تعد تخشى من سلاحهم لأنها اعتادت على رؤيته كل لحظة.

‪الرجبي: عدد البؤر الآن وصل إلى ست وتتراوح البؤرة بين غرفة وبناية‬  (الجزيرة)

أنهت الجزيرة نت الجولة في حي بطن الهوى بلقاء رئيس لجنته زهير الرجبي الذي أوضح أن التغلغل الاستيطاني بدأ عام 2004 ببؤرتين استيطانيتين ثم تصاعد عام 2014 ليصل عدد البؤر الآن إلى ست، وتتراوح البؤرة بين غرفة وبناية.

ويدعي الاحتلال أن هذا الحي الذي يعيش فيه 850 مقدسيا يعود إلى يهود اليمن الذين سكنوه قبل عام 1948، وما زال الأهالي يترافعون بالمحاكم لإثبات ملكيتهم للمنازل التي يؤكدون أنهم اشتروها من اليهود عام 1935، لكنهم يجمعون على أن السنوات المقبلة ستكون أكثر قتامة في ظل نشاط الجمعيات الاستيطانية لاستعادة كافة المنازل المقامة على مساحة خمسة دونمات تقريبا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا تتوقف عمليات تغيير ملامح مدينة القدس المحتلة فأخطبوط التهويد يمتد ليلتهم ما تبقى من آثار ومواقع تاريخية بالمدينة، ومن هذه المواقع، عين بلدة سلوان التي حولها الاحتلال لمسارات تلمودية.

مع تصاعد موجة “تسريب” العقارات للجمعيات الاستيطانية في المدينة المقدسة بالسنوات الأخيرة خاصة البلدة القديمة وبلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى، تعالت مؤخرا أصوات تطالب بضرورة حماية عقارات المقدسيين.

المزيد من استيطان
الأكثر قراءة