عـاجـل: البيت الأبيض: ترامب يؤكد أن استمرار التدخل الأجنبي في ليبيا لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع

محمد بن سلمان ودماء خاشقجي.. هل من طوق نجاة؟

الرياض تحاول أن تبعد التهم عن ولي عهدها محمد بن سلمان بالمسؤولية عن قتل خاشقجي (الفرنسية)
الرياض تحاول أن تبعد التهم عن ولي عهدها محمد بن سلمان بالمسؤولية عن قتل خاشقجي (الفرنسية)

أمين حبلا

بعد اختفاء الصحفي جمال خاشقجي في الثاني من الشهر الجاري، اتجهت أنظار العالم نحو الرياض، ووجهت أصابع الاتهام نحو ولي عهدها محمد بن سلمان. ومع اقتراب رائحة القتل المروع من دائرة الأمير "المتهور" -كما يوصف- تجد المملكة نفسها معنية بالقيام بكل ما يمكن لإنقاذ نفسها وولي عهدها من تهمة القتل العابر للحدود.

وتبدو أزمة اختفاء أو اغتيال خاشقجي أزمة مضاعفة بالنسبة للسعودية؛ فهي –وفقا لصحيفة لوموند الفرنسية- تمثل عدوانا ثلاثيا: أولا لأنها قتل صحفي، ولأنها ثانيا قتل في أرض أجنبية، إضافة إلى كونها ثالثا اغتيالا داخل قنصلية ينبغي أن تظل مكانا محصنا آمنا، كما هي حال جميع الممثليات الدبلوماسية.

الصمت المريب
مع الساعات الأولى لإعلان اختفاء الصحفي جمال خاشقجي -الصوت النشاز في مملكة منغلقة، كما وصفته صحيفة لاكروا الفرنسية- دخل ساسة السعودية وإعلامها في صمت مطبق استمر طويلا، طال رأس الدبلوماسية السعودية خالد الجبير، ولاذت كذلك كل مصالح الخارجية السعودية بالصمت، رغم أن أصابع الاتهام تشير إلى سلطات سعودية عليا، وأن مكان الجريمة وضحيتها كانت قنصلية سعودية يرفرف عليها العلم الأخضر الممهور بكلمة الشهادة والسيف.

وكان الخبر الوحيد الذي قطع الصمت هو ما نشرته وكالة الأنباء السعودية عن استرداد السلطات مطلوبا عبر الشرطة الدولية (الإنتربول)، دون أن تكشف عن هويته.

النفي والتهديد
وجاء الموقف السعودي الأول من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقابلة مع شبكة بلومبيرغ الإخبارية، في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قال فيها إن خاشقجي خرج من القنصلية بعد دقائق أو ساعة، وأضاف "نحن مستعدون للترحيب بالحكومة التركية للدخول وتفتيش القنصلية"، التي تعد منطقة خاضعة لسيادة السعودية.

وفي اليوم التالي، فتحت القنصلية السعودية في إسطنبول مقرها لوكالة رويترز، في مسعى منها لتوضيح أن الكاتب السعودي جمال خاشقجي الذي اختفى قبل خمسة أيام ليس داخلها. وتجولت رويترز -رفقة القنصل- في المبنى المؤلف من ستة طوابق، بما في ذلك المصلى الموجود في المرآب والمكاتب وشبابيك التأشيرات والمطابخ والمراحيض وغرف التخزين والأمن، وفتح خزانات الملفات وأزاح الألواح الخشبية التي تغطي وحدات تكييف الهواء.

وفي ظل غياب شبه كامل لوزارة الخارجية، التي يفترض أن تكون المعنية الأولى بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة بهذا الملف، أصدر وزير الداخلية السعودي بيانا حمل نفيا وتكذيبا لكل ما وُجّه إلى الرياض من اتهامات تقاذفتها صحف العالم أجمع، بعد أن باتت الرياض مرمى جمار الاتهام من كل حدب وصوب، دون أن تقدم للعالم أي رواية مقنعة حول مواطنها الذي دخل قنصليتها ولم يعد.

وعادت الرياض بعد ذلك إلى التهديد بأنها ستواجه بقوة وحزم كل من يحاول تشويه سمعتها والنيل من استقرارها وريادتها، و"ماطلت" كثيرا -وفقا للمسؤولين الأتراك- في تفتيش قنصليتها وبيت قنصلها في إسطنبول.

وأمام الضغوط العالمية؛ عاد ما يعرف بالذباب الإلكتروني في السعودية إلى عادته القديمة في الهجوم على قطر والإخوان، حيث أطلق وسوما تحدثت عن تلك المؤامرات لتشويه سمعة المملكة، التي عرفت بدورها في السلم العالمي ومقاومة الإرهاب، ولكن الأسئلة الكبرى مثل: أين جمال؟ وماذا حصل له؟ بقيت عالقة تنتظر جوابا من الرياض.

استغلال الأسرة المفجوعة
أسرة خاشقجي كانت إحدى حبال النجاة التي حاولت الرياض التشبث بها، وسط سيل الاتهامات التي واجهتها من كل أنحاء العالم، حيث أجرت وسائل إعلام سعودية مقابلات مع بعض أفراد العائلة، من بينهم نجله الأكبر صلاح جمال خاشقجي الذي استنكر –وفقا لموقع العربية- محاولات جهات خارجية تسييس قضية اختفاء والده، واعتبره أمرا مرفوضاً جملة وتفصيلاً.

كما ظهرت طليقته آلاء نصيف على العربية، وهي تنفي ضمنيا مسؤولية السعودية عن مقتل زوجها السابق: "كل المعارضين السعوديين لم يمسهم سوء، ولم تمتد إليهم أي يد تؤذيهم، حتى وهم خارج البلاد. هذه حقيقة منذ تأسيس البلاد. وربما قالوا أكثر وأكبر مما قاله جمال، ولم يمسهم سوء، والشواهد كثيرة".

وبدأ التنازل
مع اشتداد الضغط الدولي، بدا أن المملكة أخذت تستعيد شيئا من الهدوء والاستدارة البطيئة والرتابة التي عرفت بها دبلوماسيتها قبل أن تدخل عصر العواصف السياسية والحروب مع صعود محمد بن سلمان السياسي.

أخذ التنازل مسارين: أحدهما عبر قبول المطالب التركية بتفتيش القنصلية وبيت القنصل بعد طول تردد وتلكؤ –وفقا للمصادر التركية- وهو التفتيش الذي كشف حسب التسريبات التركية أدلة بشأن التحقيقات الجارية في مقتل خاشقجي. كما أبدت امتنانها للأتراك كثيرا بقبول تشكيل فريق عمل مشترك بشأن قضية خاشقجي.

أما على الضفة الأخرى فقد بدأت دوائر أميركية عديدة -في مقدمتها وسائل الإعلام- تضييق الخناق على السلطات السعودية، ونتيجة لذلك تعهدت الرياض بإجراء تحقيق طالب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو –وفقا لوسائل إعلام أميركية- بأن يكون سريعا وشفافا، مع تهديد ضمني لابن سلمان بأن مصيره على المحك.

وقبيل زيارة بومبيو إلى الرياض، ذكرت وسائل إعلام أميركية أن السعودية تتجه للاعتراف بضلوعها في مقتل خاشقجي، خاصة بعد أن مهد لها الرئيس ترامب بقصة "القتلة المارقين"، ليتشبث بها نظام يتنفس من تحت ماء الأزمات الخانقة.

ورغم أن سيناريو "القتلة المارقين" الذي ظهر أول ما ظهر في تصريحات ترامب، ثم تحدثت عنه لاحقا وسائل إعلام أميركية باعتباره السيناريو الأكثر ترجيحا حتى الآن لدى المسؤولين السعوديين للخروج من هذه الورطة؛ لم يقنع الكثيرين، ولكن المشكلة التي قد تواجهها السعودية في اعتماد سيناريو من هذا القبيل هو أن السفير السعودي في الولايات المتحدة سبق أن وصف هذا الأمر بالمستحيل.

وقال في حوار مع الصحفي فريد ريان في صحيفة واشنطن بوست الأميركية إنه "من المستحيل" أن يعمل موظفو القنصلية على التعتيم على مثل هذه الجريمة، ولا يكون لنا علم بذلك".

أين أخطأت؟
يقول العديد من المحللين إن تعاطي السعودية –بغض النظر عن مصداقية الاتهامات الموجهة لها بشأن خاشقجي- مع هذه الأزمة كان مرتبكا ومثيرا للريبة في بعض تفصيلاته وجوانبه.

ولم تنجح في تطبيق العديد من قواعد التعاطي مع الأزمات السياسية التي تسمح للدول بالخروج بأقل الخسائر من أزمات مشابهة.

وربما تعول السلطات السعودية على قدرتها -بحكم إمكاناتها المالية الهائلة- على الفكاك من تبعات أي أزمة تمر بها، مستحضرة تجربة اعتقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وحرب اليمن وحصار قطر، وكيف تمكنت من الالتفاف عليها دون عقوبات دولية رادعة.

بيد أن الكاتب كريشناديف كالم يذكر في مقال له بموقع "أتلانتك" أنه تحدث بشأن أزمة اختفاء خاشقجي مع دبلوماسيين أميركيين سابقين تعاملوا مع مجموعة من التحديات عندما كانوا في الخدمة، وأنهم "قالوا لي إن كل أزمة دبلوماسية هي فريدة من نوعها".

ومع ذلك يعدد الكاتب مجموعة من الخطوات الواضحة التي يجب اتخاذها عند ظهور أي أزمة، من بينها موازنة العلاقات، وتأثير الصورة العامة، والرد في الوقت المناسب".

وبشأن هذه النقطة، ينقل الكاتب عن ويندي شيرمان نائبة وزير الخارجية للشؤون السياسية في عهد أوباما أنه من المهم عدم السماح للأزمات بالاستمرار، "لأنك تفقد سيطرتك الكاملة على الاحتفاظ بروايتك للأحداث". والواقع أن صمت السعودية وترددها وارتباكها -دون غيره من مؤشرات وقرائن- كان كافيا لإعطاء الانطباع بمصداقية الرواية الأخرى، هذا فضلا عن أنها أخذت من الوقت ما يسمح باستقرارها في الأذهان وتمددها في الآفاق.

على أن حسابات الأمير الطامح المندفع لم توافق الصواب في تقدير عواقب العديد من تصرفاته، وفي تقدير مستوى تأثير تراكم الصدمات السياسية التي يفاجئ بها الرأي العام العالمي بين الفينة والأخرى، وربما تندرج أيضا قضية خاشقجي ضمن هذه الصدمات إذا ثبتت مسؤولية فريقه عن قتله.

وضمن هذا السياق، يشير الكاتب في موقع "بوليتيكو" كريستيان أولريتشسين -وهو زميل في دراسات الشرق الأوسط بمعهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس- أنه إذا كان السعوديون بالفعل قتلوا خاشقجي، ويعتقدون أنهم يستطيعون الإفلات من الجريمة؛ فقد ارتكبوا خطأ فادحا خطيرا؛ لم يقتصر الأمر على كونه كاتبا مساهما بصفحة الرأي في واشنطن بوست ذات النفوذ -والتي كانت تندفع في مطالبها بالمساءلة- بل كان خاشقجي معروفا في الكونغرس بوصفه إصلاحيا سعوديا رائدا.

ويضيف أنه لعقود من الزمان، كانت المملكة العربية السعودية شريكا مربكا للولايات المتحدة، لكن العلاقة كانت قوية بما يكفي لتحمل التداعيات الحادة لأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001. هذه المرة قد تنفد النوايا الحسنة مع تحول السياسيين ورجال الأعمال عن محمد بن سلمان، مع سرعة تشبه تلك التي حدثت مع سيف الإسلام القذافي، وهو قائد شاب آخر كان ينتظره الغرب لقيادة الإصلاحات في بلاده.

ويخلص إلى أنه مما يثير السخرية بشكل مأساوي أن خاشقجي ربما كان في اختفائه، وموته المحتمل، قد قام بالجهد اللازم لجعل واشنطن ترى الواقع المقلق لمملكة محمد بن سلمان أكثر مما كان يمكن أن يفعله على قيد الحياة وفي كتاباته.

المصدر : الجزيرة + وكالات,مواقع إلكترونية,الصحافة الأميركية