خاشقجي حين انتقد منهج "ما أريكم إلا ما أرى"

خاشقجي استبشر ابتداء بتولي الملك سلمان الحكم لإكمال مسيرة الإصلاح في الداخل (الأناضول)
خاشقجي استبشر ابتداء بتولي الملك سلمان الحكم لإكمال مسيرة الإصلاح في الداخل (الأناضول)

عبد الله العمادي-الدوحة

استبشر هو وكثيرون ممن حملوا هم إصلاح البلد تولي الملك سلمان زمام الحكم، فكان صوته ورأيه وفكره في كل مكان، برز الكاتب الصحفي جمال خاشقجي كثيرا، وشعر بأن البلد في طريق إصلاح شامل عميق، ومن ذلك حرية التعبير الذي بدأ سقفه يرتفع شيئا فشيئا.

تباطأ ذلك الصعود ليبدأ بعد قليل الدخول في أجواء من الانتكاس والنزول السريع بعد أن بدأت الصدور الرسمية تضيق، وبدا أن الرأي والرأي نفسه هو المنهج الجديد لصاحب السلطة والقرار، أو إن صح التعبير بدأ عهد "ما أريكم إلا ما أرى" بقيادة ولي عهد البلاد محمد بن سلمان.

هنا بدأ جمال في ضبط حماسته واندفاعه، وبدا له أن الحذر والحكمة في التعبير أولى وأجدر بالاتباع ريثما يتعرف أكثر فأكثر على النهج الجديد لصاحب القرار الذي فاجأ من بالداخل والخارج أجمع.

عهد تراجع فيه سريعا ولي الأمر الذي لم يعد يطيق رأيا أو نقدا يخالف ما يراه، فتبدلت الأجواء إلى أجواء تضييق متدرج شيئا فشيئا حتى تحولت التضييقات إلى توقيفات طالت وجوها مختلفة ما بين سياسية ودعوية وفكرية وغيرها، وكان جمال من ضمن من طالت يد السلطة إليه، لكن حذرته وطلبت منه خفض صوته، ثم بعد حين من الدهر قصير كتمت صوته.

وجاء عن مصدر رسمي سعودي مسؤول في بيان بثته وكالة الأنباء السعودية أن السيد خاشقجي لا يمثل المملكة في كل مقابلاته وتصريحاته الصحفية، في إشارة إلى تبرئة الحكومة السعودية مما صدر عن جمال أثناء مشاركة له في ندوة بواشنطن انتقد فيها وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في الانتخابات الأميركية، وأن السعودية تشعر بالقلق من وجوده المنتظر في البيت الابيض بسبب سياساته ومواقفه المعادية للمسلمين.

إيقافه إعلاميا
تم إيقافه بعد تلك المشاركة وتلكم الآراء عن الكتابة في الصحف المحلية والخارجية، ومنع ظهوره في المحطات التلفزيونية العربية والأجنبية، والمشاركة في الندوات والمؤتمرات السياسية وغيرها، وسرى هذا المنع كذلك على محطتي العربية والحدث والإخبارية السعودية، وتم كذلك إخطار الجزيرة ومحطات خليجية أخرى بالقرار أيضا الذي استمر نحو تسعة أشهر.

خاشقجي شعر بأن السعودية لم تعد آمنة له ولأمثاله فغادرها (الجزيرة نت)

كان يشعر أثناءها بأن الوضع لم يعد آمنا في المملكة بالنسبة لشخص مثله، وبات الخروج أو الهجرة ولو مؤقتا أمرا محمودا الآن بل واجبا تفرضه الظروف المحيطة به، خاصة أن إرهاصات حملة الاعتقالات الشهيرة قد بدأت تظهر صيف العام الماضي، فخرج مسرعا بصورة ما من البلاد واختفى حينا من الزمن لم يطل ليظهر بعده من واشنطن، ويعود للتغريد في تويتر والكتابة في صحيفة الحياة اللندنية.

شرح أسباب خروجه والهجرة إلى واشنطن كمنفى اختياري، لكنه ما استمر طويلا مع صحيفة الحياة، إذ بعد شهر واحد من العودة للظهور الإعلامي يأتي رئيس تحرير الصحيفة ليبلغه قرار الإيقاف بناء على رغبة الناشر الأمير خالد بن سلطان، بعد خلاف بشأن وجهة نظر كتبها جمال في تغريدة له رآها الناشر أنها لصالح الإخوان المسلمين، وهي جماعة محظورة بالمملكة، لكنه تفهم الأمر وشكر الصحيفة والناشر وخرج، وما إن أغلق أمامه باب الحياة حتى فتح له باب آخر يكمل منه رحلة الكتابة في واحدة من أشهر صحف العالم، حيث البيئة التي يستحقها ويحبها، صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

استمر جمال في نقد بعض ما لم يكن يسره من أوضاع تحدث بالمملكة، وبعض قرارات غلبت عليها صبغة التسرع وغياب الرؤية، وصار نجما عالميا يظهر في فضائيات عربية وأجنبية، وناشطا إلكترونيا على منصة تويتر، ويشارك في ندوات ومؤتمرات هنا وهناك حتى بدا هذا النشاط العالمي الغزير له لم يعجب صاحب منهج "ما أريكم إلا ما أرى"، ويبدو أن قرار كتم صوته قد تم تناوله على عجل، واتخاذ ما يلزم لذلك، دون أدنى تفكير في التبعات والنتائج.

المشهد الأخير
يبدأ خاشقجي بالتغريد كالمعتاد، فكتب في اليوم الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري "قبل اعتقاله بيومين كان عصام ضمن وفد من مركز أداء بواشنطن، يساعدهم بخبرته ويجول معهم على مؤسسات أميركية للاستفادة من خبراتها، عصام الزامل لا يستحق هكذا معاملة وهكذا اتهامات لم تقنع أحدا..".

خاشقجي قال كلمته ومشى لكن إلى مصير مجهول حتى الآن (رويترز)

يتحدث هنا عن الرجل الاقتصادي السعودي عصام الزامل الذي نال جوائز عديدة من الدولة تقديرا لجهوده في مجال الاقتصاد، وكان الزامل في مهمة رسمية بالولايات المتحدة حتى إذا ما رجع لبلده تم اعتقاله، ثم بعد ذلك بفترة وجيزة تم توجيه تهم عدة إليه، منها الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، والاتصال بقطر!

هنا يدافع خاشقجي عن زميل ومواطن يشترك معه في هم إصلاح البلد، ويكتب مستغربا ومنوها بأن الزامل شخص يستحق معاملة أفضل مما واجهها بعيد عودته من مهمة كانت لصالح مستقبل المملكة.

لكن الغرابة والإثارة أنه لم تمض ساعات على تغريدة الدفاع عن عصام حتى بدأ مشهد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول في اليوم التالي ليواجه معاملة -ربما لو سأله أحد حينها أن يختار بين المعاملة التي لاقاها بالقنصلية أو المعاملة التي تلقاها الزامل حين عودته للبلاد- لكان من المؤكد أنه سيختار الأخيرة، مع أنها لا تقل في السوء والإهانة.

هكذا كان جمال، أحب وطنه في كل زمان ومكان، وكان حريصا -كما كان يردد- على ألا تنقطع حبال الود مع الوطن، فهكذا هم السعوديون، بحسب رأيه.

إن حبه لوطنه وأهله وأصدقائه وزملائه هو الذي دفعه قبل ساعات ليطالب بمعاملة أفضل لزميله عصام، ليس لشيء سوى أنه يستحقها، فإذا القدر يضعه في ظرف لا ندري كيف كانت أجواؤه، لكن لا شك -وبحسب ما تسرب من معلومات حتى الآن- أنه كان قاسيا بشعا لا يستحقه جمال الذي وضع شعارا له على صفحته بتويتر "قل كلمتك وامش".

وقد قالها ومشى، لكن إلى أين؟ هذا ما ينتظره ويترقبه العالم كله، وإنّا إلى معرفة ذلك لمنتظرون.

المصدر : الجزيرة