الساوية.. مدرسة فلسطينية تتحدى الاحتلال

عملية اقتحام الجنود لثانوية الساوية-اللِّبَن (الجزيرة)
عملية اقتحام الجنود لثانوية الساوية-اللِّبَن (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

كعادته صباح كل يوم، جمع الطالب عبد الله محمد زملاءه في الصف الثامن الأساسي وانطلقوا معا إلى مدرستهم في قرية الساوية جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية، غير آبهين بقرار الاحتلال الإسرائيلي إغلاقها.

مساء الأحد ودون سابق إنذار، أخطر جيش الاحتلال الجهات الفلسطينية المسؤولة بقراره إغلاق مدرسة الساوية-اللِبَّن الثانوية بحجة رشق التلاميذ لمركبات المستوطنين المارة عبر الشارع الرئيسي الواصل بين مدينتي نابلس ورام الله حيث تقع المدرسة.

لدى وصوله هناك، وجد عبد الله ورفاقه أبواب المدرسة الثلاثة مغلقة فعلا، وأن جنود الاحتلال بصدد إغلاق المدرسة وتطويقها من كل جانب، إلا أنهم أصروا على دخولها ونجحوا في عملهم بحضور مسؤولين في السلطة أبرزهم محافظ نابلس اللواء أكرم الرجوب ووزير التربية والتعليم صبري صيدم.

الطلبة الذين تمكنوا من بلوغ المدرسة اخترقوا تحصينات الجنود ودخلوها برفقة معلميهم، وعُزف السلام الوطني واصطفوا في طابور الصباح، فرد الجنود المدججون بالأسلحة معزوفتهم الخاصة من قنابل الصوت والغاز تجاه التلاميذ الذين أصيبوا "بالاختناق الشديد".

الطلبة والمعلمون رفضوا إغلاق الاحتلال وامتثالهم للعملية التعليمية (الجزيرة)

تحدٍّ الاحتلال
يقول عبد الله (13 عاما) في حديثه للجزيرة نت إنه جاء إلى المدرسة ليتعلم، لا كما يدعي الجنود "لرشق الحجارة". ويضيف أنهم يعيشون "خطرا دائما" باستمرار اقتحام المدرسة ومحاصرة الجنود لها.

هذا الخوف الذي يعيشه عبد الله وزملاؤه لا يشعر به أبناء المستوطنين الذين يربضون فوق سلسلة من التلال قبالة المدرسة، حيث تجثم مستوطنة "عيلي" فوق أراضي عائلته والمواطنين هناك، وتزحف يوميا لبلع المزيد منها.

ومن نحو 500 طالب، تمكن فقط أقل من ثلثهم من دخول المدرسة نظرا لتشديدات الاحتلال وقمعه، وحاولوا مواصلة يومهم الدراسي، فتدافعت إلى غرفهم الصفية قنابل الغاز ليفروا إلى الساحة الرئيسية خشية الاختناق، بينما كان الجنود يُطوِّقون المدرسة ويمنعون أي أحد من دخولها أو الخروج منها.

كان المعلم محمد داود يحاول تهدئة الطلبة والحيلولة دون إصابتهم بأذى رغم حالة "الهلع الشديد"، ويقول إنهم تمكنوا من إخراج التلاميذ "بصعوبة" وإعادتهم إلى منازلهم.

لم يتذكر داود عدد اقتحامات الجنود للمدرسة، لكنها تجاوزت "العشر مرات" منذ بداية العام الجاري، تخللتها محاولات عديدة لإغلاقها، كما اعتقل بعض الطلبة واحتُجز آخرون لساعات طويلة قبل إطلاق سراحهم بعد التحقيق معهم وتغريمهم ماليا، "لكن الاعتداءات ومحاصرة المدرسة شبه يومية".

يسعى الاحتلال عبر ممارساته تلك لإغلاق المدرسة التي بنيت قبل وجوده عام 1946، ويختلق "ذرائع واهية" لتحقيق ذلك.

من عملية اقتحام الجنود لثانوية الساوية-اللبِن جنوب نابلس (الجزيرة)

سياسة تجهيل
وينفي المدير بمديرية التربية والتعليم جنوب نابلس نصر أبو كرش ادعاءات الجنود برشق الطلبة لمركبات المستوطنين بالحجارة، ويقول إنها "سياسة تجهيل" ينتهجها الاحتلال ضد الطلبة الفلسطينيين، خاصة في مثل هذه المدارس التي يعتبر التعليم فيها "مقاومة وصمودا" بحد ذاته.

كما يمارس الاحتلال -حسب أبو كرش- "عقابا جماعيا" للطلبة والأهالي في قرى الساوية واللبن، خاصة أن كل اعتداء على المدرسة يصحبه اقتحام لتلك القرى وإطلاق نار وإصابات واعتقالات للمواطنين، كما حدث اليوم.

يؤكد ذلك رئيس المجلس القروي في اللبِن سامر عويص الذي أصيب بجروح في يده خلال المواجهات مع أكثر من خمسين جنديا أحاطوا بالمدرسة من جهاتها الأربع.

ويقول عويص للجزيرة نت إن الاحتلال يُضيره تنقل الطلبة عبر الشارع العام يوميا إلى مدرستهم لأنه يريده خاليا من الفلسطينيين "لسلامة وأمن المستوطنين" الذين يُشيِّدون أربع مستوطنات على أراضي القريتين، مضيفا أن المدرسة ستظل "شوكة في حلق الاحتلال".
من عملية اقتحام الجنود لثانوية الساوية اللبن (الجزيرة)

مدارس التحدي
وفي محاولة لدعم التعليم بالمناطق النائية والمهمشة، أنشأت وزارة التربية والتعليم "مدارس التحدي" وشيدت حتى الآن 13 مدرسة، لا سيما في الأغوار ومناطق "سي" التي يستهدفها ويعمل على تهجير أهلها لتحويلها إلى مستوطنات ومعسكرات للجيش.

وفي تصريح له عقب دخوله المدرسة، أكد وزير التربية والتعليم صبري صيدم أن تحدي الإغلاق يؤكد العزيمة والإرادة لإفشال مخططات الاحتلال وانتهاكاته المتواصلة بحق المسيرة التعليمية. وقال إن تلك الاعتداءات "نتاج طبيعي" لحالة الصمت الدولي المطبق تجاه الاحتلال وعنصريته الهادفة إلى "ضرب منظمة التعليم في فلسطين برمتها".

ودعا الوزير الجهات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية إلى الدفاع عن الأطفال وحقهم في التعليم، بينما أكدت وزارة التربية والتعليم جنوب نابلس وأهالي الساوية واللبن عدم امتثالهم لقرار الإغلاق الذي لم يحدد الاحتلال مدته.

المصدر : الجزيرة